خطاب أوباما‏..‏ وضرورة المنهج العملي

 

 

Dr. Ali- 2

بقلم‏:‏د‏.‏ علي جمعة
مفتي الديار المصرية

 

استمعنا إلى خطاب الرئيس باراك أوباما في جامعة القاهرة يوم الخميس الماضي، وأعتبره خطابا قد أعد له جيدا، ويعد بداية حسنة لعلاقات مشتركة بين العالم الإسلامي والولايات المتحدة‏,‏ أشار فيه الرئيس إلى أن الحضارة العالمية مدينة للإسلام، وأنه أسهم بنور العلم عبر القرون‏، وهو يذكرنا بخطاب الأمير تشارلز في أكسفورد سنة‏1992‏ الذي اشتمل علي نفس الروح‏،‏ وعلينا الآن والجميع يترقبون بداية العمل أن نقترح خططا عملية لهذا التعاون يشارك فيها العالم الإسلامي أمريكا ـ بل العالم كله ـ في بداية بناء الحضارة الإنسانية بصورة أكثر اتزانا وعدلا‏.‏

‏1‏ ـ في رأيي أنه لابد بعدما أقر الرئيس الأمريكي ببرنامج انسحابه من العراق وإلغاء معتقل جوانتانامو علي بداية العام القادم‏، أن توضع خطة بشأن أفغانستان حتى مع تعقد الموقف هناك فان الاحتلال لن يأتي بخير أبدا‏.‏

‏2‏ ـ نحن لا نريد أن تنكسر العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل ولكن نريد أن يبني السلام العادل لحماية الشعب الفلسطيني من الويلات التي تعرض لها خلال ستين عاما والمسلمون علي استعداد لفتح صفحة جديدة نتجاوز فيها أحداث الماضي إذا ما وجدنا أعمالا حقيقية في أرض الواقع تؤثر تأثيرا إيجابيا في حياة الفلسطينيين اليومية بعد أن حرموا من أبجديات الحياة الكريمة‏،‏ فلابد أولا وقبل أي شيء من إقامة الدولة الفلسطينية يمارس فيها أصحاب الأديان الثلاثة مقدساتهم ورجوع النازحين‏ وهي أمور مازالت كلها في الإمكان إذا ما استجابت الإدارة الإسرائيلية لرغبة العالم كله في شيوع السلام العادل وفي استقرار العالم وبدء صفحة جديدة‏.‏

‏3‏ ـ قام المسلمون بمراجعة المناهج الدراسية الغربية التي صنعت صورة سيئة للمسلمين والتي كونت عقولا وأجيالا تأثرت بصناعة الصورة وأحدثت تلك الحلقة المفرغة من تبادل الكراهية وذلك في مجهودات المرحوم الدكتور عبد الجواد فلا توري والتي طبعها في ثمانية مجلدات في جامعة كولن بألمانيا باللغة الألمانية من سنة ‏1985‏ إلي سنة ‏1996 ويجب علينا أن ندعو أمريكا والعالم الغربي بموجب هذا العمل العلمي الرصين الصادر من احدي الجامعات الكبرى في غرب أوروبا أن يتم تصحيح المناهج الدراسية وأن ترجع إلى الصورة الحقيقية التي أثبتها عبدا لجواد فلاتوري وزوجته وفريق عمله وأقام الأدلة العلمية علي ذلك،‏ وهذه الصورة المزيفة شائعة ومكررة في المناهج الغربية والأمريكية ونحن علي يقين أن الغرب ليس عنده أي مانع من التصحيح مادام تصحيحا علميا يخلو من التعصب الذميم الذي تتبناه بعض المشارب وبعض المتطرفين‏، ولقد قامت بعض مراكز البحث في أمريكا في أوائل التسعينيات بشيء من هذا التغيير وأتمت ذلك ولكن بصورة جزئية خاصة في مناهج التاريخ‏.‏

‏4‏ ـ وأمامنا أيضا قضية المرجعية العالمية للمسلمين وهي أمر في غاية الأهمية تستطيع منظمة المؤتمر الإسلامي، بما لديها من مجمع الفقه بجدة وهو مؤسسة عالمية إسلامية عظيمة تمثل كل العالم الإسلامي، أن تقوم بذلك الدور، ‏خاصة إذا ما تلقت المساعدة والمعاونة العلمية من مؤسسات عالمية كالأزهر الشريف ومجمع البحوث الإسلامية‏، وقد أشار الرئيس أوباما إلي منظمة المؤتمر الإسلامي والى التعاون معها وإلي دورها الفعال في محاولة القضاء علي مرض شلل الأطفال‏.

إن مرجعية المسلمين العالمية اجتمعت علي نبذ العنف واتخاذ طريق الوسطية واحترام المذاهب وإقرار الحوار والتعايش السلمي وقضايا التنمية‏.‏

‏5‏ ـ أدعو المسلمين إلي عمل برامج عملية قوية للتخلص من السلاح النووي في العالم كله فليس مقبولا عند الناس أن تمتلك دولة من الدول ترسانة تستطيع بها إهلاك الأرض وألا تكون هنالك قوة رادعة تمنع من استعمال هذا الدمار الشامل الذي هو محرم في كل الأديان وعند كل العقلاء، لابد أن نضع في اهتمامنا من الآن إنهاء حالة امتلاك الأسلحة النووية‏،‏ وإذا كان الرئيس أوباما قد أفصح عن رغبته في ذلك فلابد من تكاتف الجهود من أجل تنفيذ هذا الأمل الذي سيغير وجه الأرض‏.‏

‏6‏ ـ إنني أريد أن أنشط البحث حيث أشار الرئيس أوباما إلي أن المجتمعات الإسلامية منذ قديم الزمان أثبتت أنها تستطيع أن تتبوأ مركز الطليعة في الابتكار والتعليم وبين أنه لا يمكن لأي إستراتيجية للتنمية أن تعتمد علي الثروة فقط وأن التعليم والابتكار هما أهم‏، وهنا أرجع لأؤكد مرة بعد أخري أهمية البعثات العلمية التي يجب علينا أن نعيدها مرة أخري بصورة مستمرة‏، إلا أنه يجب أيضا أن تكون من الجهتين من العالم الإسلامي إلي الغرب ومن الغرب إلي العالم الإسلامي، فان لدينا ما تحتاج إليه البشرية وتفصيل ذلك يطول لكنني أؤكده وأراهن معرفيا عليه‏.‏

‏7‏ ـ إن المعونة الأمريكية التي رصدت من أجل التنمية في أفريقيا والشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا فكرة جيدة،‏ بل ونري أنها قد تأخرت كثيرا،‏ ولذلك فلابد من تشجيعها والمثابرة علي استمرارها‏،‏ ولقد بدأنا في مصر في دفع العمل المدني لا من أجل الخير وفعل الخير فقط‏،‏ بل أيضا من أجل التنمية في مجالات الصحة والتعليم والبحث العلمي والتكافل الاجتماعي وشئون الحياة المختلفة من فنون وآداب ورياضة لأننا نؤمن بدين يؤمن بالتعمير وينهي عن التدمير‏،‏ فالحمد الله الذي جعلنا مسلمين‏.‏

الأهرام 8 يونيو 2009

About these ads

3 تعليقات

أضف تعليق

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل الخروج / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل الخروج / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل الخروج / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل الخروج / تغيير )

Connecting to %s

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

%d bloggers like this: