إذا لم تستح فاصنع ما شئت

Dr. Ali- 2

بقلم د. على جمعة

مفتى الديار المصرية

جاء الدين وحث على الحياء باعتباره خلقا محمودا على مستوى الفرد وعلى مستوى المجتمع حتى شاع الذم بعبارة (قليل الحيا) فى الاستعمال اليومى مع حذف همزة الحياء لأن العرب تقصر كل ممدود ولا تمد بالضرورة كل مقصور وفى الحديث النبوى الشريف عندما عاتب أحدهم أخاه على كثرة حيائه قال له النبى صلى الله عليه وسلم: “الحياء خير كله”. [رواه مسلم].

وقال: “إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى “إذا لم تستح فافعل ما شئت” [رواه البخارى] وكان الحياء ينشئ ثقافة سائدة تمنع من الانحراف وتضبط إيقاع العمل على المستوى الشخصى والمستوى الجماعى وانعدام الحياء يوصلنا الى فقد المعيار الذى به التقويم والذى به القبول والرد والذى به التحسين والتقبيح وفقد المعيار هذا يؤدى إلى ما يشبه الفوضى وهى الحالة التى إذا استمرت لا يصل الإنسان إلى غايته ويضيع الاجتماع البشرى وتسقط الحضارات فى نهاية المطاف حيث لا ضابط ولا رابط.

1- وعلى ذلك فمن العبارات الشائعة وهى خطأ قولهم (لا حياء فى الدين) ويقصدون أن الإنسان يجب عليه أن يسأل فى كل شيء دون خجل يصده عن التعلم فلا يخجل من عدم معرفته ولا يخجل أن يعرف كل شيء فى جميع المجالات فليس هناك حدود للمعرفة والعبارة الصحيحة التى حرفت من أصلها إلى هذه العبارة الجديدة الخاطئة هى (لا حرج فى الدين) وهناك فارق كبير بينهما فصحيح أنه لا حرج فى الدين فإن اليسر يغلب العسر ومن طبق الدين لا يجد فيه ضيقا ولا تضييقا فقد قال الله تعالى: “فإن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا” (الشرح 65) وفى الحديث الشريف: “انه صلى الله عليه وسلم ما خير بين أمرين إلا أخذ أيسرهما” (رواه مسلم). والقاعدة الفقهية الأم (المشقة تجلب التيسير) فالتيسير من أصل الدين وهو يشتمل على الرفق فى المعاملة يقول النبى صلى الله عليه وسلم “إن الرفق لا يكون فى شيء الا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه” [رواه مسلم] ويشتمل التيسير على الرحمة يقول صلى الله عليه وسلم: “الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى ارحموا من فى الأرض يرحمكم من فى السماء” [رواه أحمد وأبو داود] ويشتمل على رفع الضرر حيث يقول صلى الله عليه وسلم: “لا ضرر ولا ضرار” [ابن ماجة والبيهقى] ويشتمل على الاستمرار فى العمل وفى الحديث “كان عمله صلى الله عليه وسلم ديمة” [متفق عليه].

2- والحياء خلق يمنع صاحبه المتخلق به من الفحش فى القول والعمل ولذلك فان ضد بعض معانى الشفافية قد تعنى الصراحة فى القول والصدق فى العمل وهو خلق محمود بلا شك وقد تعنى التبجح بالفاحشة وإظهار المعاصى والفجور بدعوى الحرية التى تساوى حينئذ التفلت والعبث ولقد نهينا عن هذا التبجح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “كل أمتى معافى إلا المجاهرين وإن المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقج ستره الله فيقول يا فلان عملت البارحة كذا وكذا وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه” [متفق عليه] فالمجاهر يتبجح بالمعصية إنه يريد أن تشيع فعلته فى الناس حتى يكونوا مثله ويكونوا فى الفاحشة سواء، قال تعالى: “إن الذين آمنوا لهم عذاب أليم فى الدنيا والآخرة والله يعمل وأنتم لا تعلمون” [النور 19] ولقد ابتلينا بهذا الصنف من الناس الذين يريدون أن تشيع الفاحشة فى الذين آمنوا.

3- والحياء المذكور فى القرآن جاء على ثلاثة أنحاء الأول: ما أسند إلى الله تعالى قال سبحانه: “إن الله لا يستحيى أن يضرب مثلا” [البقرة 26] وذلك أن هذا ليس بحال الحياء لأنه مجال تعليم كما سبق والحياء إنما هو خلق يمنع صاحبه من السوء وإظهار المعصية وحب إشاعة الفحشاء ولا علاقة له بالخجل من السؤال فى العلم وطلب التعلم لأن العلم وطلبه من الحق فال تعالى: “والله لا يستحيى من الحق” [الأحزاب 53] والثانى جاء منسوبا إلى النبى صلى الله عليه وسلم ومنه قوله تعالى “إن ذلكم كان يؤذى النبى فيستحيى منكم ” [الأحزاب 53] وهو حياء من كمال خلقه ورحمته بأتباعه حيث يقول لهم “أنا لكم بمنزلة الوالد” [أبو داود وابن أبى شيبة]. والثالث جاء منسوبا إلى النساء العفيفات اللائى تربين فى بيوت النبوة “فجاءته إحداهما تمشى على استحياء” [القصص 25].

4- وأثر الدعوة إلى قلة الحياء نراها فى التصرفات الدولية حيث يحتل المحتل الأراضى ويسلب الخيرات والوثائق والمستندات التاريخية ويعذب السجناء ويلتقط لهم الصور أثناء التعذيب حتى يبعثها لأهله مفتخرا بنفسه أنه عذب البشر. وخسة أخلاقه حيث ذهب الحياء وتكذب الأجهزة والدول جهارا نهارا بدعوى أسلحة الدمار الشامل والكامل ثم يتبين أنه لا دمار ولا عمار ويستمر الكذب والبهتان ومخالفة الواقع دون حياء فصدق خاتم الأنبياء إذ يقول “إذا لم تستح فاصنع ما شئت” !! فإننا كما معتمدين على أن الحياء يمنع صاحبه من إظهار السوء وإن ظهر يمنعه من الاستمرار فيه وأن تكرر يمنعه من البقاء عليه أو الاستهانة بمن حوله بشأنه ولكن قلة الحياء مكنت هؤلاء من ذلك كله.

5- وقلة الحياء نراها أيضا فى أولئك الذين حرفوا كلام الله سبحانه وتعالى ولا يزال التحريف والتخريف مستمرا يقول الله تعالى “أفتطمعون ان يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون” [البقرة 75] ويقول تعالى: “فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين” [المائدة 13]. فعلاج قلة الحياء العفو والصفح والإحسان والصبر على ما ابتلانا الله به ويقول تعالى: “يا أيها الرسول لا يخزنك الذين يسارعون فى الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم فى الدنيا خزى ولهم عذاب عظيم، سماعون للكذب أكالون للسحت فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين” [المائدة 41-42]. فقلة الحياء شائعة فى المنافقين الذين قالوا آمنوا بأفواههم وتأبى قلوبهم وشائعة فى الكافرين الذين تبجحوا بالكفر أيضا وعلاج هؤلاء أيضا هو الإعراض قال تعالى يؤكد ذلك المعنى “وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما” [الفرقان 63].

6- ومن قلة الحياء على مستوى المجتمع أن يطلب الرئاسة أسافل الناس بعد كل ما قدموه ومن فاحشة وسمعة سيئة ويصدق فيهم قول النبى صلى الله عليه وسلم فى علامات فساد الزمان وأهله “يأتى على الناس سنوات جدعات يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق ويؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين وينطق فيهم الرويبضة. قيل وما الرويبضة؟ قال الرجل التافه يتكلم فى أمر العامة” [أحمد وبن ماجة والحاكم].

أعلم أحدهم ناقشته فى إحدى الهيئات العلمية فترك المناقشة وقال لأحد الجالسين المبعوثين إلى الولايات المتحدة للدارسة على سبيل التفاخر بقلة الحياء وسوء الدين واستهتارا لكل قيمة وخلق كريم (يا فلان بعد اللقاء سأعطيك عناوين دور الرذيلة فى الولايات المتحدة فهى فى حقيبتى ) ونسى المسكين أن الرذيلة ممنوعة فى الولايات المتحدة التى يتشدق بذكرها ونسى المسكين أن قلة الحياء لا ينتج منها خير ولا تزيد صاحبها إلا خساسة ودناءة وانحطاطا عند الله وعند الناس … هذا نموذج من يطلب الرئاسة عملا بالديمقراطية وأمثال هؤلاء الذباب كثير.

7- ويبدو أن المخرج من قلة الحياء هو التربية السليمة والإصرار عليها وإرجاع القيم التى تمنع التفلت وجعل تلك الآية دستورا للتربية.

الأهرام 22 يناير 2005

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: