الفلسـفة اللغـوية

Dr. Ali- 2

 

بقلم‏:‏د‏.‏ علي جمعة
مفتي الديار المصرية

تلعب الفلسفة اللغوية دورا مهما جدا في فهم التراث‏,‏ بعد فهم التصور الكلي الذي سيطر علي الأذهان تلقيا وأداء وفهما للكون والإنسان والحياة‏,‏ فاللغة موروث وليست مخترعا‏,‏ أي إن وضع الألفاظ بإزاء المعاني أمر يرثه الإنسان ولا يصطنعه‏,‏ ومن أجل ذلك كان لابد عليه أن يدرك ذلك الوضع‏,‏ فيفهم دلالات الألفاظ‏,‏ وقد اهتم المسلمون القدماء جدا بهذه القضية‏:‏ قضية دلالات الألفاظ‏. ودلالات الألفاظ جعلتهم يتكلمون عن قضية الجذور اللغوية التي هي موجودة في المعاجم‏,‏ لبناء النظام الصرفي الذي يخرج من هذه الجذور الفعل الماضي‏,‏ والمضارع والأمر‏,‏ واسم الفاعل واسم المفعول‏,‏ والمصدر‏,‏ والصفة المشبهة‏,‏ واسمي المكان والزمان‏…‏ وسائر أنواع التصاريف اللغوية التي تستعمل في مواطن شتي‏,‏ وهذا درسوه بتفصيل كبير جدا‏,‏ وكشفوا من خلال هذه الدراسات أشياء كثيرة‏,‏ نسميها الفلسفة اللغوية‏. والحقيقة أن دراسة هذه الفلسفة اللغوية بمثل هذه الخطوات التي سوف نتعرض لها يجعل الإنسان أكثر فهما سواء للنصوص الشرعية أو للكتابات التراثية‏.‏ ولنبدأ من المكون الأساس للكلمة وهو الحرف‏.‏ والحرف له نوعان‏:‏ حروف المباني‏,‏ وحروف المعاني‏.‏

حروف المباني‏:‏

حروف المباني ثمانية وعشرون حرفا في لغة العرب‏,‏ وكانت قديما مصوغة في صورة تسمي الأبجدية‏,‏ لأنها كانت تبدأ بكلمة أبجد‏:(‏ أبجد هوز حطي كلمن‏,‏ سعفص قرشت ثخذ ضظغ‏),‏ ثم تم تطويرها فيما بعد‏,‏ حتي وصلنا إلي نظام يسمي النظام الهجائي أو الألفبائي‏,‏ وهو النظام الذي تعلمنا عليه حديثا‏(‏ أ‏,‏ ب‏,‏ ت‏,‏ هــ‏,‏ و‏,‏ ي‏),‏ وسمي الهجائي لأنها الحروف التي نتهجي الكلمة بها‏..‏ هذه الحروف تسمي حروف المباني‏,‏ وهي لا معني لها‏,‏ فالألف وحدها لا معني لها في اللغة العربية‏!‏ وبالمناسبة‏,‏ تشترك اللغات السامية في اثنين وعشرين حرفا‏,‏ وتنفرد العربية عن بعض اللغات السامية في ستة حروف‏.‏ والأبجدية أيضا كانت تشير إلي هذا فمن‏(‏ أبجد‏)‏ حتي‏(‏ قرشت‏)‏ هذه هي الاثنان والعشرون حرفا التي تشترك فيها العربية مع العبرية والآرامية والسريانية والحبشية وهكذا‏.‏ أما‏(‏ ثخذ ضظغ‏)‏ فتنفرد بها العربية عن اللغات الأخري‏.‏ ولذلك يسمون هذه الحروف الستة بـ الحروف الروادف‏,‏ لأنها مردفة أي ملحقة‏,‏ وهذه الاثنان والعشرون حرفا المشتركة ـ تقريبا ـ هي الحروف اللاتينية أيضا‏,‏ مع إسقاط الحاء وإضافة الثاء‏.‏

فهذه حروف المباني التي يهتم بها الذين يدرسون الأداء الصوتي ودارسو التجويد‏.‏ وقد صنفها القدماء واستنبطوا لها صفات ومخارج‏,‏ وحقا ومستحقا‏:‏ الحق يعني إخراج الحرف من مخرجه الخاص به‏:‏ من الحلق ومن وسط اللسان‏,‏ ومن طرف اللسان‏,‏ ومن مجموعة الأسنان‏,‏ ومن الشفتين‏,‏ ومن الخيشوم أو الأنف‏.‏ والمستحق مراعاة موضع الحرف من الحروف المجاورة له وأثر نطق الحروف علي بعضها بعضا ولهذا‏,‏ فإن من الإعجاز أن القرآن الكريم ورد إلينا بالأداء الصوتي نفسه الذي تركه لنا رسول الله صلي الله عليه وسلم‏,‏ أي بالطريقة الصوتية المعينة التي تجعل كل حرف له اعتبار‏,‏ وهناك جدول يحفظه رجال التجويد‏,‏ وله أداءات مفردة‏,‏ وأداءات مركبة‏,‏ ثم يتراكب ثم نتعلم علم التجويد في أحكام التنوين والنون الساكنة وأحكام الميم والراء واللام‏,‏ وحروف المد‏..‏ وغير ذلك‏.‏

فحروف المباني ـ وإن لم تكن لها معان في ذاتها ـ فإن الأداء الصوتي الصحيح لها هو من الضرورة بمكان في ثقافة أمية اعتادت علي نقل تراثها مشافهة‏,‏ ونقلت بهذه الطريقة كتاب الله عز وجل وحديث رسوله صلي الله عليه وسلم‏,‏ وقد ارتبطت بذلك فنون الفصاحة والخطابة والبيان في التراث الإسلامي‏,‏ وهي فنون لاتزال لها مكانتها‏,‏ بل وتعد من المهارات الاجتماعية والسياسية التي تدرس ويعني بها في الحضارات المختلفة‏.‏

حروف المعانى:

وهى الحروف التى يؤدى كل واحد منها معنى معينا، وهى فى اللغة العربية تسعون حرفا، على خمسة أقسام:

منها ما هو حرف واحد مثل‏:‏ الواو‏,‏ الباء‏,‏ الكاف‏,‏ الفاء‏,‏ اللام‏,‏ ومنها ما هو حرفان مثل‏:‏ من‏,‏ في‏,‏ عن‏,‏ لن‏,‏ إن‏,‏ ومنها ما هو مكون من ثلاثة حروف مثل‏:‏ إلي‏,‏ علي‏,‏ ثم‏,‏ إن‏,‏ ومنها المكون من أربعة مثل‏:‏ لعل‏,‏ كأن‏,‏ ومنها ما هو من خمسة مثل‏:‏ لكن‏(‏ وهي تنطق‏:‏ لاكن بألف مد‏,‏ لا تكتب‏,‏ وبشدة علي النون‏).‏ وليس هناك ما هو مكون من أكثر من خمسة أحرف‏.‏ وهذه التسعون حرفا إما أن لها عملا أو ليس لها عمل‏,‏ أي إما أن تؤثر فيما بعدها‏,‏ أو لا تؤثر‏,‏ فبعضها يجر‏,‏ وبعضها ينصب‏,‏ وبعضها يجزم‏,‏ وبعضها لا عمل له ولا أثر‏,‏ لكن الأثر شيء والمعني شيء آخر‏,‏ فهذه الحروف تستعمل في ستة وخمسين معني‏,‏ والمعاني الستة والخمسون منها‏:‏ الابتداء‏,‏ والغاية‏,‏ الانتهاء‏,‏ والتبعيض‏,‏ والظرفية‏,‏ والاستعلام‏,‏ والاستفهام‏,‏ والقسم‏,‏ والتحضيض‏,‏ والتمني‏,‏ والترجي‏,‏ والتأكيد‏,‏ وهكذا‏.‏

وعندما نرسم جدولا فيه الحروف التسعون بصورة رأسية تقابلها الوظائف الست والخمسون بصورة أفقية‏,‏ نجد أن الحرف الواحد قد يدل علي معني أو اثنين أو حتي قد يدل علي نحو خمسة عشر معني‏!‏ فمثلا الباء تدل علي أشياء كثيرة منها‏:‏ المصاحبة‏,‏ الملابسة‏,‏ الابتداء‏,‏ الظرفية‏,‏ السببية‏.

الأهرام -الأثنين 16 أبريل 2007

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: