أسباب تغير الفتوى

Dr. Ali- 2

 

 

 

بقلم: د. على جمعة

مفتى الديار المصرية

يسأل كثير من الناس متعجبين عندما يرون الفتوى تتغير بتغير جهات أربع وهي‏:‏
الزمان‏، والمكان‏,‏ والأشخاص‏,‏ والأحوال‏.‏ ويجب أن نشرح هذه المسألة‏,‏ لأنها أصبحت مسألة دقيقة قد تخفى على بعض الناس‏.‏

1- فإن أهم أسباب تغير الفتوى هو تغير الموضوع‏,‏ وفي الحقيقة فإن الحكم لم يتغير‏,‏ ولكن الواقع في المسألة المفتى بها غير الواقع في المسألة التي أفتي بها قديما‏,‏ فالموضوع هنا غير الموضوع هناك‏,‏ ولذلك وجب تغير الفتوى‏,‏ لأن إعطاء الفتوى نفسها بعد أن تغير الموضوع يعد ضلالا في الدين‏,‏ ومن هذا القبيل تغير العوائد‏,‏ وينبه الإمام القرافي إلى هذه الحقيقة في كتابه الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام صـ‏132,131:‏ السؤال التاسع والثلاثون‏:‏ ما الصحيح في هذه الأحكام الواقعة في مذهب الشافعي ومالك وغيرهما المرتبة على العوائد وعرف كان حاصلا على حالة جزم العلماء بهذه الأحكام؟ فهل الفتاوى المسطورة في كتب الفقهاء ويفتى بما تقتضيه العوائد المتجددة‏,‏ أو يقال نحن مقلدون وما لنا إحداث شرع لعدم أهليتنا للاجتهاد فنفى بما في الكتب المنقولة عن المجتهدين؟

ثم أجاب عنه فقال‏:‏ إن إجراء الأحكام التي مدركها العوائد مع تغير تلك العوائد خلاف الإجماع وجهالة في الدين‏,‏ بل كل ما هو في الشريعة يتبع العوائد بتغير الحكم فيه عند تغير العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجددة‏,‏ وليس تجديدا للاجتهاد من المقلدين حتى يشترط فيه أهلية الاجتهاد‏,‏ بل هذه قاعدة اجتهد فيها العلماء وأجمعوا عليها‏,‏ فنحن نتبعهم فيها من غير استئناف اجتهاد‏,‏ ألا ترى أنهم لما جعلوا أن المعاملات إذا أطلق فيها الثمن يحمل على غالب النقود‏,‏ فإذا كانت العادة نقدا معينا حملنا الإطلاق عليه‏,‏ فإذا انتقلت العادة الى غيره عينا ما انتقلت إليه وألغينا الأول لانتقال العادة عنه‏,‏ وكذا الإطلاق في الوصايا والأيمان وجميع أبواب النفقة المحمولة على العوائد إذا تغيرت العادة تغيرت الأحكام في تلك الأبواب‏,‏ وكذا الدعاوى إذا كان القول قول من ادعي شيئا‏,‏ لأنه كان العادة ثم تغيرت العادة‏,‏ فلم يبق القول قول مدعيه بل انعكس الحال فيه‏,‏ بل ولا يشترط تغير العادة‏,‏ بل لو خرجنا نحن من ذلك البلد إلى بلد آخر عوائدهم على خلاف عادة البلد الذي كنا فيه‏,‏ أفتيناهم بعادة بلدهم‏,‏ ولم نعتبر عادة البلد الذي كنا فيه‏,‏ وكذلك إذا قدم علينا أحد من بلد عادته مضادة للبلد الذي نحن فيه‏,‏ لم نفته إلا بعادة بلده دون عادة بلدنا‏.‏

ثم قال‏:‏ ومن هذا الباب ما روي عن الإمام مالك ـ إذا تنازع الزوجان في قبض الصداق بعد الدخول‏,‏ أن القول قول الزوج‏,‏ مع أن الأصل عدم القبض‏,‏ قال القاضي إسماعيل‏:‏ هذه كانت عادتهم بالمدينة أن الرجل لا يدخل بامرأته حتى تقبض جميع صداقها واليوم عادتهم على خلاف ذلك‏,‏ فالقول قول المرأة مع يمينها لأجل اختلاف العوائد‏,‏ ثم قال‏:‏ إذا تقرر هذا فأنا أذكر من ذلك أحكاما نص الأصحاب على أن المدرك فيها العادة‏,‏ وأن مستند الفتيا فيها إنما هو العادة‏,‏ والواقع اليوم على خلافه‏,‏ فيتعين تغير الحكم علي ما تقتضيه العادة المتجددة‏.‏

ومن تغير الموضوع ما حدث في اسم الصورة‏,‏ حيث كانت تطلق على التمثال‏,‏ والأوثان‏,‏ ثم أطلقت علي احتباس الظل‏,‏ فكان من المناسب ما قاله الشيخ محمد بخيت المطيعي في كتابه الماتع‏:‏ الجواب الشافي في إباحة التصوير الفوتوغرافي والذي ذهب فيه إلى إباحة هذا الفعل لأنه ليس مندرجا تحت النهي عن التصوير‏,‏ وهو أيضا من حدث بعدما استقرت كلمة العلماء في حكم شرب القهوة‏,‏ والتي تعني في اللغة العربية الخمر‏,‏ ولكن القهوة البن‏,‏ حيث لا تسكر لا يؤخذ حكم الخمر بمجرد الاسم باختلاف الموضوع‏.‏

وإدراك حقائق الموضوعات يلزم الفقيه بالفتوى المناسبة لحقيقة هذا الموضوع‏,‏ وعدم التمسك بحكم قد كان لموضوع آخر‏.‏

2- وكذلك من أسباب تغير الفتوى تغير المصلحة بتغير الاختيار لدى من بيده سن القوانين في مجال الأحكام السلطانية‏,‏ والذي كان يسمي في الفقه القديم مرة بالحاكم‏,‏ ومرة بولي الأمر‏,‏ وهي الإطلاقات التي أصبحت تثير عند بعضهم حساسيات خاصة‏,‏ ولكن الأمر في الفقه الإسلامي كان يقصد أن يرجع الي مصلحة الأمة‏,‏ وتحقيق مقاصد الشرع الشريف‏,‏ وهو الأمر الذي يختلف باختلاف الزمان والمكان‏,‏ إلا أنه دائما يكون في دائرة المباح‏,‏ ولقد تقرر في علم أصول الفقه‏,‏ وفي فروع الفقه أيضا أن الحاكم له أن يقيد المباح بناء علي المصلحة وكتب في ذلك كتب كثيرة‏,‏ وفيها أن من شروط تقييد الحاكم للمباح أن يكون محققا لمصلحة وقتية وإن طال زمانها الا أنه لا يصل إلى إنكار الحكم الأصلي‏,‏ فسوف يظل الحكم الأصلي علي الإباحة يرجع إليها عندما تتغير الظروف‏,‏ الأحوال‏.‏

وتقييد الحاكم للمباح إما أن يكون بالتحريم والمنع‏,‏ أو يكون بالإيجاب والإلزام‏,‏ وفي كل من الأمرين يكون ذلك رهينا بالحال‏,‏ وليس إنكارا للحكم الذي سيظل علي أصله في زمان آخر أو في مكان آخر‏,‏ أو مع أشخاص آخرين‏,‏ أو في حال مختلف‏.‏

الأهرام 20 أغسطس 2007

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: