سيدنا أبو هريرة‏..‏ راوية الإسلام

Dr. Ali- 2

 

 

 

بقلم‏:‏د‏.‏ علي جمعــة

مفتي الديــار المصرية

يعيش رسول الله صلي الله عليه وسلم بيننا بأحاديثه الشريفة‏,‏ ونتبعه باتباع سنته التي دونت‏,‏ ووثقت‏,‏ ونقلت إلينا بأسلوب مبهر‏,‏ وقد نقل الصحابة حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم من أقوال وأفعال وتقريرات وصفات للتابعين‏,‏ ونقل التابعون من بعدهم حتى وصلت إلينا‏.

كان من أميز أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم في نقل سنته وسيرته العطرة راوية الإسلام أبو هريرة رضي الله تعالي عنه‏,‏ وكان اسمه في الجاهلية عبد شمس‏,‏ وسماه النبي صلي الله عليه وسلم في الإسلام عبدا لرحمن‏,‏ وهو دوسي‏,‏ من بني دوس بن عدنان من بطون الأزد‏,‏ والأزد قبيلة يمانية قحطانية مشهورة‏,‏ ونسبه معروف محفوظ إلى الجد الأعلى لهذه القبيلة الأزد بن الغوث‏.‏

سبب كنيته‏:‏
يقول أبو هريرة‏:‏ إنما كنوني بأبي هريرة لأني كنت أرعي غنما لأهلي‏,‏ فوجدت أولاد هرة وحشية‏,‏ فجعلتها في كمي‏,‏ فلما رجعت إليهم سمعوا أصوات الهر من حجري‏,‏ فقالوا‏:‏ ما هذا يا عبد شمس؟ فقلت‏:‏ أولاد هرة وجدتها‏.‏ قالوا‏:‏ فأنت أبو هريرة‏,‏ فالزمتني بعد‏(‏ الحاكم في المستدرك‏506/3)‏ وكان يقول كذلك‏:‏ كان رسول الله صلي الله عليه وسلم يدعوني‏:‏ أبا هر‏,‏ ويدعوني الناس أبا هريرة المستدرك‏506/3‏ فكان يحب هذه الكنية ويقول‏:‏ لأن تكنوني بالذكر أحب إلى من أن تكنوني بالأنثى (‏ المستدرك‏507/3)‏

صفاته الخلقية والأخلاقية‏:‏
كان يميل إلى بياض البشرة‏,‏ بعيد مابين المنكبين‏,‏ أفرق الثنيتين‏,‏ براق الثنايا‏,‏ يخضب لحيته بالحناء‏,‏ يلبس الكتان‏.‏

وكان رضي الله عنه ورعا بعيدا عن الدنيا والأموال متقشفا‏,‏ محبا للناس بتعليمه إياهم وحرصه علي وعيهم‏,‏ محسنا لجاره‏,‏ بعيدا عن الضحك‏,‏ متعبدا باكيا في أكثر من مجالسه‏,‏ أخذ القرآن الكريم عرضا عن أبي بن كعب‏,‏ ثم صار معلما للقرآن فقرأ عليه أبو جعفر يزيد بن القعقاع المخزومي المدني أحد القراء العشرة الأئمة‏,‏ وقرأ عليه أيضا عبد الرحمن بن هرمز الأعرج‏,‏ وعن الأعرج أخذ القرآن نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم المدني‏.‏

وكان قواما بالليل‏,‏ فعن أبي عثمان النهدي قال‏:‏ تضيفت أبا هريرة سبعا‏,‏ فكان هو وامرأته وخادمه يعتقبون الليل أثلاثا
‏{‏ رواه البخاري‏2037/5}

وكان يبر أمه‏,‏ فكان يقول أبو هريرة فيما يرويه عن النبي صلي الله عليه وسلم‏:‏ للعبد المملوك المصلح أجران‏,‏ ثم يقول والذي نفس أبي هريرة بيده‏:‏ لولا الجهاد في سبيل الله‏,‏ والحج‏,‏ وبر أمي لأحببت أن أموت وأنا مملوك‏ (‏رواه مسلم وأعقبه‏.‏ قال‏:‏ وبلغنا أن أبا هريرة لم يكن يحج حتى ماتت أمه‏,‏ لصحبتها‏).‏

وقد أعطاه النبي صلي الله عليه وسلم مرة تمرتين‏,‏ قال أبو هريرة‏:‏ فأكلت تمرة وجعلت تمرة في حجري‏,‏ فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم‏:‏ يا أبا هريرة‏,‏ لم رفعت هذه التمرة؟ فقلت‏:‏ رفعتها لأمي‏.‏ فقال‏:‏ كلها‏,‏ فإنا سنعطيك لها تمرتين‏,‏ فأكلتها وأعطاني لها تمرتين ‏(‏ الطبقات لابن سعد‏329/4).‏

تميزه بالرواية بين الصحابة‏:‏
كان أبو هريرة رضي الله عنه حريصا علي الحديث‏,‏ وشهد له بذلك خير الخلق صلي الله عليه وسلم‏,‏ عن أبي هريرة قال‏:‏ قلت‏:‏ يا رسول الله‏,‏ من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟فقال‏:‏ لقد ظننت يا أبا هريرة ألا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك‏,‏ لما رأيت من حرصك علي الحديث‏.‏ أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال‏:‏ لا إله إلا الله‏,‏ خالصا من قبل نفسه‏(‏ رواه البخاري‏2402/5)‏

كما شهد بحرصه علي الحديث وقوة ذاكرته أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم‏,‏ فعن مالك ابن أبي عامر قال‏:‏ جاء رجل إلى طلحة بن عبيد الله‏,‏ فقال‏:‏ يا أبا محمد‏:‏ أرأيت هذا اليماني يعني أبا هريرة‏,‏ هو أعلم بحديث رسول الله صلي الله عليه وسلم منكم؟ نسمع منه ما لا نسمع منكم‏,‏ أو يقول علي رسول الله عليه وسلم ما لم يقل؟ قال‏:‏ أما أن يكون سمع من رسول الله صلي الله عليه وسلم ما لم نسمع فلا أشك إلا أنه سمع من رسول الله صلي الله عليه وسلم‏,‏ يده مع يد رسول الله صلي الله عليه وسلم‏,‏ وكنا نحن أهل بيوتات وغني‏,‏ وكنا نأتي رسول الله صلي الله عليه وسلم طرفي النهار‏,‏ فلا نشك إلا أنه سمع من رسول الله صلي الله عليه وسلم ما لم نسمع‏,‏ ولا نجد أحدا فيه خير يقول علي رسول الله صلي الله عليه وسلم ما لم يقل‏ {رواه الترمذي‏684/5‏ والحاكم في المستدرك‏585/3}

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني‏:‏ وروي البيهقي في مدخله‏,‏ من طريق أشعث‏,‏ عن مولي لطلحة‏,‏ قال‏:‏ كان أبو هريرة جالسا‏,‏ فمر رجل بطلحة‏,‏ فقال له‏:‏ لقد أكثر أبو هريرة‏,‏ فقال‏:‏ طلحة قد سمعنا كما سمع ولكنه حفظ ونسينا‏(‏ فتح الباري‏76/7).‏ ويقول ابن عمر رضي الله عنهما يا أبا هريرة‏,‏ أنت كنت ألزمنا لرسول الله صلي الله عليه وسلم‏,‏ وأحفظنا لحديثه
{‏ رواه الترمذي‏684/5}

وقد ذكر أبو محمد بن حزم أن مسند بقي بن مخلد احتوي من حديث أبي هريرة علي خمسة آلاف وثلاثمائة حديث وكسر‏.‏

وكان أبو هريرة قد تزوج بيسرة بنت غزوان المازنية لما كان مروان يستخلفه في أمرة المدينة‏,‏ وهي صحابية أخت عتبة بن غزوان المازني الصحابي المشهور أمير البصرة‏,‏ وكان له أربعة أولاد وبنت‏,‏ أشهرهم وأكبرهم ابن المحرر‏,‏ وله ابن آخر يقال له محرز‏.‏

وانتقل رضي الله عنه إلى جوار ربه‏,‏ واختلف في سنة وفاته‏,‏ فقيل كانت سنة سبع وخمسين‏,‏ وقيل ثمان وخمسين‏,‏ وقيل تسع وخمسين‏.‏

وكان عمره حين توفي ثماني وسبعين سنة رضي الله‏,‏ وكان موته بالعقيق ‏(‏ الوادي المجاور للمدينة‏)‏ وحمل إلى المدينة فصلي عليه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وكان أميرا علي المدينة لعمه معاوية‏.‏ رحم الله راوية الإسلام أبا هريرة رضي الله عنه‏,‏ ورزقنا الاقتداء به‏,‏ وحبه‏,‏ وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين‏.‏

الأهرام 10 سبتمبر 2007

 

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: