الأنوار في القرآن- 2

Dr. Ali- 2

 

 

 

بقلم‏:‏ د‏.‏ علي جمعة
مفتي الديار المصرية

مازلنا في الحديث عن الأنوار في القرآن‏,‏ وقد وصلنا إلي نورانية القرآن الكريم‏,‏ فالقرآن نور من حيث معانيه‏,‏ فقد اشتمل علي مبادئ عامة تنير الطريق وتنظم العقل‏,‏ من تلك المبادئ القرآنية قوله تعالي‏:(‏ ولا تزر وازرة وزر أخري‏)[‏ الأنعام‏:164]‏ وقوله سبحانه‏(‏ ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب‏)[‏ البقرة‏:179],‏ وقوله تعالي‏:(‏ عفا الله عما سلف‏)[‏ المائدة‏:95],‏ وقوله سبحانه‏:(‏ وأن ليس للإنسان إلا ما سعي‏)[‏ النجم‏:39],‏ وقوله تعالي‏:(‏ وما جعل عليكم في الدين من حرج‏)[‏ الحج‏:78]‏ إلي آخر ما هنالك من أسس ومبادئ تبين أن الضرر يزال واليقين لا يرفع بالشك‏,‏ والأمور بمقاصدها ونحو ذلك‏.‏

والقرآن نور في مضامينه‏,‏ فقد وصف الأوجاع في النفس البشرية‏,‏ وفي المجتمع المسلم‏,‏ وبين العلاج‏,‏ وقص القصص‏,‏ وأثبت العقائد‏,‏ وأوضح الأحكام‏,‏ وما فرط فيه ربنا من شيء‏..‏ نسأل الله أن يشرح صدورنا بنور القرآن‏,‏ والقرآن نور لصاحبه يوم القيامة علي الصراط‏,‏ وسبب في ترقيه في درجات الجنة‏.‏ أما نورانية النبي العدنان صلي الله عليه وآله وصحبه وسلم‏,‏ فكان سيدنا محمد بن عبد الله هو ذلك النور الذي ظهر فجأة في جزيرة العرب بمكة‏,‏ ذلك الموضع الذي ضم أول بيت وضع للناس في الأرض‏,‏ فكان سيدنا محمد هو النور المبين الذي أخرج الناس من الظلمات إلي النور بإذن ربهم‏,‏ وجاء ليحقق المدينة الفاضلة‏,‏ فدعا أولا لتوحيد مصدر تلقي التعليمات‏.‏

لقد أقام النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم الدلائل والبراهين على صدق دعوته‏,‏ تلك الدعوة التي لا يختلف عليها عقلاء الأرض وهي أن الصانع واحد‏,‏ وينبغي أن يفرد بالعبادة وحده‏,‏ كما انفرد بالخلق والإيجاد‏,‏ بني الاعتقاد السليم في الله والكون والإنسان‏,‏ كون النظام الاجتماعي الفريد‏,‏ كون الدولة الإسلامية تنشر الإسلام في شتي بقاع الأرض‏,‏ أقام حضارة مازالت قائمة إلي يومنا هذا تباهي حضارات العالم بكمالها ونزاهتها‏.‏

وقد أثبت القرآن نورانية النبي المصطفي صلي الله عليه وسلم‏,‏ فقال تعالي‏:(‏ يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين‏)[‏ المائدة‏:15],‏ وقال تعالي‏:(‏ وداعيا إلي الله بإذنه وسراجا منيرا‏)[‏ الأحزاب‏:46].‏

فهو صلي الله عليه وسلم نور ومنير‏,‏ ولا شيء في أن يعتقد المؤمن بذلك طالما أن الله عز وجل قد وصفه بذلك وسماه نورا‏,‏ ولقد ثبت في السنة أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يقولون‏:‏ إن وجهه صلي الله عليه وسلم كالقمر‏[‏ رواه النسائي في الكبرى],‏ وقد أخبر صلي الله عليه وسلم أنه عندما حملت فيه أمه‏:‏ رأت نورا أضاء لها قصور بصري من أرض الشام‏[‏ ذكره الطبري وابن هشام‏,‏ وصاحب حلية الأولياء‏].‏

وأكد أصحابه رضوان الله عليهم أن‏:‏ النبي صلي الله عليه وسلم عندما دخل المدينة أضاء منها كل شيء وعندما مات اظلم منها كل شيء‏[‏ أحمد والترمذي وابن ماجة‏]‏ إلي غير ذلك من آثار وأحاديث تبين أنه صلي الله عليه وسلم كان نورا‏,‏ ولا ينبغي أن ننفي أن ذلك النور كان حسيا فليس هناك ما يتعارض مع أنه صلي الله عليه وسلم كان نورا ومنيرا‏,‏ مع أصل العقيدة‏,‏ كما أنه لا يعارض طبيعته البشرية التي أخبر بها القرآن‏.‏

إن المحظور هو نفي البشرية عنه صلي الله عليه وسلم‏,‏ لأن هذا مخالف لصحيح القرآن‏,‏ فقد قال الله تعالي‏:(‏ قل إنما أنا بشر مثلكم يوحي إلي‏)[‏ فصلت‏:6],‏ فالسلامة في ذلك أن تثبت كل ما أثبت الله لنبيه صلي الله عليه وسلم من حيث نورانيته وبشريته دون تفصيل وتنظير‏,‏ كما أن إثبات النور الحسي له صلي الله عليه وسلم لا يتعارض مع بشريته‏.‏

ومن المفيد أن نذكر فائدة هنا وهي حديث أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر فقد حكم المحدثون بأنه حديث منكر وذهبوا إلي وضعه‏.‏ قال العلامة عبد الله بن الصديق الغماري‏:‏ وعزوه إلي رواية عبد الرزاق خطأ لأنه لا يوجد في مصنفه ولا جامعه ولا تفسيره‏,‏ وقال الحافظ السيوطي في الحاوي في الفتاوي ج‏1‏ ص‏325:‏ ليس له إسناد يعتمد عليه ا هـ‏,‏ وهو حديث موضوع جزما‏……‏ إلي أن قال‏:‏ وبالجملة فالحديث منكر موضوع لا أصل له في شيء من كتب السنة‏[‏ مرشد الحائر لبيان وضع حديث جابر‏,‏ للسيد عبد الله بن الصديق الغماري‏].‏

ولقد حكم بوضعه أكثر المحدثين كالحافظ الصغاني ذكر ذلك في كتابه الموضوعات‏,‏ وأقره الحافظ العجلوني علي ذلك في كتابه كشف الخفاء‏.

والحكم بوضع الحديث وعدم صحة نسبته إلي النبي صلي الله عليه وسلم ليس دليلا علي فساد معناه من كل وجه‏,‏ فمعني الحديث يمكن أن يكون صحيحا إذا كانت الأولية في الأنوار فإن ذلك لا يبعد‏,‏ وعلي أن الأولية مطلقة‏,‏ فهي ثابتة للقلم وللعرش علي الخلاف المشهور‏,‏ وقد ذكر العجلوني ذلك فقال‏:‏ وقيل الأولية في كل شيء بالإضافة إلي جنسه‏,‏ أي أول ما خلق الله من الأنوار نوري وكذا باقيها‏,‏ وفي أحكام ابن القطان فيما ذكره ابن مرزوق عن علي بن الحسين عن أبيه عن جده أن النبي صلي الله عليه وسلم‏,‏ قال‏:‏ كنت نورا بين يدي ربي قبل خلق آدم بأربعة عشر ألف عام‏.‏ انتهي ما في المواهب‏[‏ كشف الخفاء‏].‏

الأهرام 29 اكتوبر 2007

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: