الأمن الاجتماعي

Dr. Ali- 2

 

 

 

بقلم‏:‏ د‏.‏ علي جمعة
مفتي الديار المصرية

في الأسبوع الماضي حضرت مؤتمر الأمن الاجتماعي بمملكة البحرين الشقيقة‏,‏ نظمه المجلس الأعلى للشئون الإسلامية‏,‏ تحت إشراف سمو الشيخ عبد الله بن خالد رئيس المجلس‏,‏ وتحت رعاية كريمة من معالي رئيس الوزراء الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة‏,‏ وحضره مجموعة كبيرة من العلماء والمفكرين والباحثين‏,‏ وقدموا أكثر من عشرين بحثا حول مفهوم الأمن الاجتماعي وأهمية الاهتمام به ومؤسساته‏.‏

وهو موضوع غاية في الأهمية‏,‏ حيث لابد من الاهتمام بالحراك الاجتماعي اهتماما عمليا ونظريا‏,‏ وأن ذلك هو المحضن الأساس لكل حراك فكري أو سياسي أو اقتصادي‏,‏ ولذلك كانت له الأولوية‏,‏ بل إنه يعد ضابط الإيقاع لكل أنواع تنمية المجتمع‏.‏

وكان البحث الذي تقدمت به مبنيا على ثلاثة أفكار‏:‏
الفكرة الأولي‏:‏ أنه ينبغي علينا أن نضع قاعدة مهمة‏,‏ وأن نفهمها بعمق‏,‏ وهي تمثل أهم قواعد التعايش في المجتمع المعاصر‏,‏ وهي أن الأمن قبل الإيمان‏,‏ وقد يفهم بعض المتدينين هذه القاعدة على غير وجهها‏,‏ فيفهم منها مثلا أننا نؤخر ما واجبه التقديم‏,‏ حيث إن الإيمان هو سبب الأمن‏,‏ فكيف نقدم الأمن عليه شرعا‏,‏ وهو مؤخر عنه طبعا باعتباره أنه نتيجة عن الإيمان‏,‏ والنتيجة تلي السبب‏,‏ ولا تتقدم عليه؟ حتى قال محمد إقبال في حكمته‏:

إذا الإيمان ضاع فلا أمان ولا دنيا لمن لم يحيي دينا

وهو كلام صحيح في نفسه‏,‏ ويؤيده قوله تعالي‏:‏ {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون‏}‏ [الأنعام‏:82].‏ لكن المقصود من القاعدة أنه لا يجوز للإنسان تحت دعوى تحصيل الإيمان أو مقتضيات ذلك الإيمان أن يخل بالأمن‏,‏ لأنه إذا أخل بالأمن كان ذلك أولا‏:‏ مخالفا للإيمان‏,‏ وثانيا‏:‏ مضيعا للمؤمنين‏,‏ وثالثا‏:‏ يضيع الحالة التي يمكن فيها للمؤمن أن يمارس إيمانه‏,‏ ولذلك نرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة يرفض الدعوة إلى الصدام‏,‏ والى إخلال الأمن فيها رفضا تاما‏,‏ بل ويغضب عندما يوضع الإخلال بالأمن كخيار في مقابلة تطبيق الإيمان‏,‏ ومن ذلك ما رواه ابن سعد في طبقاته عن العباس بن عبادة بن نظلة أنه قال‏:‏ قال‏:‏ يا رسول الله‏,‏ والذي بعثك بالحق لئن أحببت لنميلن على أهل مني بأسيافنا وما أحد عليه سيف تلك الليلة غيره فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم إنا لم نؤمر بذلك‏[‏ طبقات ابن سعد‏].‏

ولقد كان يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم الكعبة المشرفة منصوبة فيها الأصنام‏,‏ فلم يهدمها ولم يأمر بهدمها‏,‏ مع أنها محض شرك‏,‏ وهكذا قدم سيدنا هارون الأمن على مقتضيات الإيمان‏,‏ وقال لموسي في القصة المشهورة‏:{قال يابنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي‏}[‏ طه‏:94].‏ وهؤلاء هم الذين أمرنا الله أن نتبعهم‏,‏ فقال‏:{أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده قل لا أسألكم عليه أجرا إن هو إلا ذكري للعالمين‏}[‏ الأنعام‏:90]

وهذا أمر يجب أن نتفق عليه‏,‏ وهو يمثل هاجسا لدى الشباب المتطرف الذي يريد أن يقدم ما تصوره من الإيمان علي الأمن والاستقرار‏,‏ ولقد امتد هذا الهاجس حتى إلى بعض كتابنا فتراهم يتساءلون إذا ما سمعوا أن شيئا ما حرام‏,‏ فهل هذا يجب معه أن نغير ذلك المنكر بأيدينا‏,‏ أليس السكوت على ذلك من باب النفاق؟ وما أتى هذا السؤال إلا للجهل بتلك القاعدة الأساس‏,‏ والتي يجب أن نفهم معناها على وجهه‏,‏ وأن نؤكد عليها‏,‏ وننشر معناها‏,‏ قال الإمام الغزالي في كتابه‏[‏ الاقتصاد في الاعتقاد‏]:‏ نظام الدين لا يحصل إلا بنظام الدنيا ا هـ‏.‏ ويقول الماوردي في‏[‏ أدب الدنيا والدين‏]:‏ اعلم أن صلاح الدنيا معتبر من وجهين‏,‏ أولهما‏:‏ ما ينتظم به أمور جملتها‏.‏ والثاني‏:‏ ما يصلح به حال كل واحد من أهلها‏.

والفكرة الثانية‏:‏ هي أن الأمن الاجتماعي أمر مركب ومعقد ولابد من منظومة مركبة بإزائه‏,‏ تشترك فيها الحكومة‏,‏ وجمعيات العمل الأهلي‏,‏ والمؤسسات المختلفة‏[‏ المدرسة ـ المسجد ـ الإعلام‏…..]‏ معا‏,‏ وأن واحدة من هذه المنظومة لا تكفي وحدها‏,‏ كما يجب أن تكون منظومة شاملة تهتم بالداخل والخارج‏,‏ ولا يكفي الاهتمام بجانب دون آخر‏,‏ ومن هنا كان الاهتمام بقضايا العالم جزءا لا يتجزأ من الأمن الاجتماعي‏,‏ ويتبع هذه الفكرة استعمال التجارب التي نجحت عبر التاريخ كالوقف‏,‏ والزكاة‏,‏ والخيرات في القيام بواجب الأمة مع الدولة سويا في مجال الصحة والتعليم والبحث العلمي‏,‏ والتكافل الاجتماعي من رعاية المسنين‏,‏ والمشردين‏,‏ واليتامى,‏ والأرامل‏,‏ والمعوقين‏,‏ وشئون الحياة كالفنون والآداب والعمارة والرياضة‏,‏ وأن أساس ذلك كله سواء على مستوي الفرد أو على مستوي المجتمع أن نعطي السنارة من أجل الصيد لا أن نعطي السمكة من أجل الطعام‏,‏ ولكن مع ذلك فإن هناك من هو في حد الكفاف وعدم الكفاءة بحيث إنه يحتاج الى الرعاية وإلي السمكة مباشرة‏.‏

والفكرة الثالثة‏:‏ هل المطالبة بالمزيد من إطلاق يدي الجمعيات الأهلية والمؤسسات الخيرية للقيام بدورها‏,‏ لأن كثيرا من القوانين والإجراءات تعيقها عن أداء واجبها‏,‏ وفي أمريكا أكثر من مليون ونصف مؤسسة خيرية‏,‏ لأنهم يكتفون بالتسجيل دون إجراءات التصريح‏.‏

إن العدل سيؤدي إلى الأمن‏,‏ والأمن والأمان والإيمان جملة واحدة‏,‏ قال تعالى‏: {وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون‏}[‏ النحل‏:112]‏.وعلى كل حال فالأمن الاجتماعي نعمة من نعم الله سبحانه وتعالي‏,‏ قال تعالى‏:{الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف‏}[‏ قريش‏:4].

الأهرام 5 نوفمبر 2007

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: