مدح مخالفة القانون‏!‏

Dr. Ali- 2 

بقلم‏:‏د‏.‏ علي جمعة

مفتى الديار المصرية

ظاهرة جديدة تحتاج منا جميعا إلى أن نقف صفا واحدا ضدها‏,‏فإنها تهدد الاجتماع البشري وتؤدي إلي العبث والفساد‏,‏ وهي مدح مخالفة القانون الذي توصل إليه المجتمع من أجل حمايته وإقرار العدل بين الناس‏,‏ ومدح مخالفة الذوق العام والمقررات الأخلاقية ومبادئ الجمال‏,‏ والذي يتبناه بعض كتابنا الأفاضل في الآونة الأخيرة ولا أعرف لماذا؟ فالذي نعرفه جميعا أن إفساد البيئة لا يجوز يعني أنه محظور وبلغة الشرع والشرعيين أنه حرام‏.‏

وتعجبت ممن يعلق بالسلب على فتوى طلبها منا أحد الأشخاص الذين يريدون معرفة حكم الله في الأفعال البشرية‏,‏ وتعجبت أكثر من كاتب كبير دعا الناس إلى التخلف بعد عمرة رمضان لموسم الحج والتهرب من السلطات السعودية‏,‏ وانه لا بأس عنده من مزاحمة المسلمين وأذيتهم‏,‏ وأن نعيش كهمج هامج من غير نظام ضابط ولا قانون حاكم‏.‏وهو الذي يدعو الناس عادة في مقالاته إلى الفكر والتفكر‏.‏ ولكنني فجعت من الكاتب الذي دعا الناس إلى الضوضاء في المساجد عن طريق الميكروفونات لأننا يجب أن ننحاز إلى عواطف الناس وأن نتركهم ينفسون عن كبتهم بصراخهم وأذية من حولهم‏.‏

ثم تعجبت أكثر وأكثر من رئيس تحرير إحدى الصحف وهو يريد أن يبرز ما فعله الشباب الهارب الغارق على سواحل ايطاليا حتى بعد هذا الغرق وبعد معرفة

نتيجة هذا التصرف الأحمق المريب من غير أن يكلف خاطره في البحث عن حقيقة تحرك طفل يبلغ أربع عشرة سنة يدفع خمسة وعشرين ألف جنيه من أجل أن

يذهب إلى حتفه هل وراء هذا الإرهاب أو وراءه المافيا أو تجار المخدرات أو أباطرة الدعارة؟ هل ايطاليا كانت منتهاهم أو إنها محطة للذهاب إلى مكان آخر أو

إنها مجرد مغامرة أم إنها قلة كفاءة وقلة مهارة أم إنها البطالة؟

ولكن يبدو أن السعار ضد الحكومة قد بلغ مداه فدفعه إلى ما قال أو ما سوف يقول‏.‏

وكما يقول عن هؤلاء سارتر في مقدمة رواية‏(‏ معذبو الأرض‏)‏ وهم يحاولون أن يقلدوا الديمقراطيات الغربية‏(‏ نحن نقول هنا إخوة نعرف معناها وهم هناك يصرخون وقد نظر بعضهم لبعض خوة خوة وسيصرون على ذلك‏)‏ فالدعوة إلى مخالفة القانون وإلى إفساد البيئة وإلى الضجيج وإلى إلقاء النفس إلى التهلكة وإلى أذية الآخرين تحت أي عنوان أو تحت أي مبرر يجب أن نحذرها وأن نحذر منها ومن أصحابها فلسنا في مجال مزايدة على مجتمعنا وديننا من أجل إثارة مدعاة أو تملق ممجوج‏.‏

والنبي صلي الله عليه وسلم في حديثه يحذرنا من هذا الحال‏,‏ففي حديث حذيفة‏,‏ رضي الله عنه‏,‏ فيما أخرجه البخاري ومسلم‏(‏كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني‏,‏ فقلت‏:‏ يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير بعد هذا الخير من شر؟ قال‏:‏ نعم‏.‏ قلت‏:‏ فهل بعد ذلك الشر من خير ؟ قال‏:‏ نعم وفيه دخن‏.‏ قلت‏:‏ وما دخنه؟ قال‏:‏ قوم يهدون بغير هديي‏,‏ تعرف منهم وتنكر قلت‏:‏ هل بعد ذلك الخير من شر؟ قال‏:‏ نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها‏.‏ قلت‏:‏ يا رسول الله صفهم لنا‏,‏ قال‏:‏ هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا‏.‏ قلت‏:‏ فما تأمرني إن أدركني ذلك‏.‏ قال‏:‏ تلزم جماعة المسلمين وإمامهم قلت‏:‏ فإن لم تكن جماعة ولا إمام قال‏:‏ فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت كذلك‏).

ونسأل الله سبحانه وتعالى أن لا نكون قد وصلنا إلى هذا الزمن وأن لا يكون قد فرض علينا أن نعتزل تلك الفرق كلها‏,‏ أو أن نعض على جذع نخلة ونترك هذا الهراء إذا كان الله سبحانه وتعالى قد قدر أن هذا لا يتغير‏.‏ بل نرجو منه الأجر العظيم وأن ينزل على قلوبنا الصبر كما أنزل البلاء وأن يخلص نيتنا حتى يصل كلامنا إلى قلوب الناس‏ {فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال‏}‏ الرعد‏:17.

وكان أبو ثعلبة الخشني يفسر قوله تعالى {لا يضركم من ضل إذا اهتديتم‏}‏ المائدة‏:105‏ فيقول أما والله لقد سألت خبيرا عنها‏,‏ سألت رسول الله صلي الله عليه وسلم‏,‏ فقال‏:‏ بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شُحاً مُطاعاً وهوىً متبعاً ودنيا مؤثَرَة وإعجاب كل ذي برأيه فعليك نفسك ودع أمر العوام فإن من ورائكم أياما الصبر فيهن مثل قبض على الجمر للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله‏)‏ وفي رواية‏(‏ أجر خمسين منهم؟ فقال خمسين منكم‏)‏ أي من الصحابة الكرام‏,‏ وهو حديث أخرجه ابن حبان في صحيحه‏ (‏ موارد الظمآن في زوائد ابن حبان‏).‏ وهو ما يعطينا الأمل فى أن مقاومة هؤلاء والصبر على أذاهم أجره عظيم عند الله فإن الصحابة كانت تجد عونا على الخير لا نجده قال تعالى‏: {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم‏)} آل عمران‏:173‏ ـ‏174.

الأهرام 12 نوفمبر 2007

 

 

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: