نظـــام الإســـــلام

Dr. Ali- 2

 

 

 

بقلم‏:‏د‏.‏ علي جمعة
مفتي الديار المصرية

عندما تلقي الصحابة الكرام دين الإسلام من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عرفوا مصادره واجتمعت كلمتهم على أن القرآن الكريم هو المصدر الأول‏,‏ ووجدوا أن الله سبحانه وتعالي قد جعل الرسول أسوة حسنة لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة‏.

ومن خلال فهم الصحابة الكرام ومن بعدهم الأئمة الأعلام للغة العربية ولمفردات ألفاظها وقواعد بنائها‏,‏ عرفوا أن حكم الله هو وصف للفعل البشري‏,‏ ولذلك كان هذا الوصف على خمسة أقسام‏,‏ القسم الأول هو الذي أمر الله به أمرا جازما وسماه الواجب كالصلوات المفروضة وصيام شهر رمضان وإخراج الزكاة عند تحقق شروطها والذهاب إلى الحج عند تحقق شروطه‏,‏ والصدق في القول وأمثال ذلك‏.‏ والقسم الثاني هو ما نهى الله عنه نهيا جازما وهو الحرام كالزنى والسرقة والربا وشهادة الزور والكذب ونحو ذلك‏.‏

والقسم الثالث هو ما أمر الله به ولكن ليس علي سبيل الجزم وهو المندوب‏,‏ إذا فعله الإنسان أعطاه الله الثواب وإذا لم يفعله فليس هناك مؤاخذة عليه ولا عقاب‏,‏ مثل الصلوات النوافل والصدقة وكل أنواع فعل الخير غير المفروضة‏.‏ والقسم الرابع هو ما نهى الله عنه نهيا غير جازم وهو المكروه‏.‏ وعد منه العلماء كثرة الكلام من غير طائل وكثرة الأكل ونحو ذلك.

أما القسم الخامس والأخير فهو الفعل البشري الذي لم يأمرنا الله فيه بأمر ولم ينهنا عنه بنهي‏,‏ وهو المباح‏.‏ وإذا تخيلنا أننا قد حصرنا أفعال البشر وتصرفاتهم في حياتهم لوجدنا أن دائرة المباح هي أعظم مساحة من أي دائرة أخري‏,‏ وهذا من رحمة الله بعباده‏.‏ وهذا أيضا مزية جعلت الفقه الإسلامي أكثر مرونة وجعلته أقدر على تطبيق القواعد التي أتت بها الشريعة الغراء‏,‏ مع اختلاف حاجات الناس وتباين مصالحهم بتغير الزمان والمكان والأشخاص والأحوال‏.‏ فالإسلام بالأساس نسق مفتوح وليس خاصا بزمن معين بحيث لا يصلح في أزمان أخري ولا هو خاص بقوم معينين بل إنه يخاطب العالمين‏.‏ قال تعالى‏:‏ {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}‏ (الأنبياء‏:107) وقال تعالى‏:‏ {وما أرسلناك إلا كافة للناس}‏‏ (سبأ‏:28).‏ ووصف الله القرآن فقال‏:‏ {هذا بيان للناس وهدي وموعظة للمتقين}‏(‏آل عمران‏:138). ‏ فهو بيان لجميع الخلق وإن كان لا يستفيد منه إلا من طلب منه الهداية‏,‏ قال تعالي‏: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا‏}.

ومن هنا سعى علماء الإسلام في استخراج القواعد التي تمثل الهيكل الأساسي للفقه الإسلامي أو بعبارة أخري التي تعد المكونات الرئيسة لعقل المجتهد‏.‏ أولها الضرر يزال‏,‏ وهذا من قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ لا ضرر ولا ضرار‏.‏ وثانيها العادة محكمة وذلك من قوله تعالي‏: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين‏} (الأعراف‏:199). ‏ وكان ابن مسعود يقول ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن وفي بعض الروايات نسب هذه إلى النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وثالثها المشقة تجلب التيسير،‏ أخذوها من قوله تعالى‏: {فإن مع العسر يسرا‏} (الشرح‏:5)‏. ومن قوله تعالى‏: {وما جعل عليكم في الدين من حرج‏} ( الحج‏:78) ومن قوله تعالى‏: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}‏ (البقرة‏:185).‏ ومن حال النبي صلى الله عليه وسلم فلم يخير بين أمرين قط إلا اختار أيسرهما.

ورابعا اليقين لا يزول بالشك وأخذوها من توجيه النبي صلى الله عليه وسلم للمصلي إذا شك في نقص وضوئه ألا يخرج من الصلاة حتى يصل إلي مرحلة اليقين‏.‏ فعن عباد بن تميم عن عمه قال‏:‏ شكي إلي النبي ــ صلي الله عليه وسلم ــ الرجل يجد في الصلاة شيئا‏,‏ أيقطع الصلاة قال لا‏,‏ حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا‏ (‏ أخرجه البخاري‏).‏ وخامسها الأمور بمقاصدها وأخذوها من قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إنما الأعمال بالنيات‏,‏ وإنما لكل امرئ ما نوى‏.‏ وبعضهم يستدل بقوله تعالي‏:‏ {مخلصين له الدين} (غافر‏:65). ‏ وبعضهم يجعل هذه القاعدة هي أول القواعد فإن النية مهمة جدا في مجال الدين وتدخل كما يقول الإمام السيوطي في كتابه الأشباه والنظائر في أكثر من سبعين بابا من أبواب الفقه‏.

وفرع العلماء من هذه القواعد الخمسة أكثر من خمسين قاعدة بعضها متفق عليه وبعضها مختلف فيه‏.‏ ثم فرعوا من هذه القواعد قواعد أخري تفصيلية‏.‏ كما أنهم وضعوا أيضا ضوابط لكثير من أبواب الفقه أو لمسائله‏.‏ وبمجمل هذه القواعد مع مقاصد الشريعة التي استنبطوها من القرآن والسنة يتم التوصل إلي حكم الله سبحانه وتعالى.‏ وهذه المقاصد هي حفظ النفس وحفظ العقل وحفظ الدين وحفظ كرامة الإنسان‏,‏ وكان الفقهاء يسمونه العرض‏,‏ وحفظ المال‏.‏ ولقد اختلف الفقهاء في ترتيب هذه المقاصد فقدموا بعضها على بعض واختيارنا لهذا الترتيب يسير مع للترتيب الطبيعي للأمور‏.‏ فإنه يجب على الإنسان أن يحافظ على نفسه لأنه إذا فرط في نفسه ضيع مراد الله من خلقه وتكليفه‏.‏ ثم إنه يجب أن يحافظ على عقله حتى يتلقي كلمة الله ويفهمها‏.‏ ثم يحافظ على الدين الذي يسبب انتظام المعاش وحقيقة الارتياش يعني الرفاهة والسادة في الدنيا ثم في الآخرة.

ولا يقوم الاجتماع البشري إلا بحفظ كرامة الإنسان وإلا بحفظ المال الذي تقوم به الحياة‏.‏ والذي وصفه الله سبحانه وتعالى بوجوب القيام فيه‏:‏ {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما (‏ النساء‏ 5)

يتبع…

الأهرام 19 نوفمبر 2007

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: