نظـــام الإســـــلام‏- 2

Dr. Ali- 2 

بقلم‏:‏د‏.‏ علي جمعة
مفتي الديار المصرية

استمر المسلمون في صياغة منهجهم العلمي الخاص بعلم الشريعة فقد حددوا ثماني نقاط تمثل الأسئلة المنطقية المتتالية التي حدثت في أذهان المجتهدين وهم يريدون أن يصلوا إلى حكم الله تعالى‏.

وأول هذه الأسئلة ما الحجة؟ وبعد بحث وتدقيق وتفصيل يرتبط بالعقيدة وبمصادر الشريعة استقروا على أن الحجة هي القرآن باعتباره النص المعصوم من التحريف الموحى به من الله سبحانه وتعالى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم‏,‏ والمنقول إلينا بالتواتر‏,‏ وأنه هو كلمة الله الأخيرة للبشر حيث أنه لم يتركنا عبثا ولا سدى. والسنة النبوية المشرفة وهي النموذج التطبيقي المعصوم لأحكام القرآن الكريم وهي الشارحة والمفصلة له أيضا‏.‏

فقد قام الدليل العقلي والنقلي على وجوب طاعة الله وطاعة رسوله‏.‏ واتخاذ الرسول أسوة حسنة وحجة ومصدرا للتشريع قال تعالى‏:(‏وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا‏)[‏ الحشر‏:7]‏ وقال تعالى‏:(‏ وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول‏)[‏ التغابن‏:12]‏ وإننا ملتزمون في هذه الحياة الدنيا بما أمر سبحانه تعالي ونهى فنحن مكلفون والتكليف في اللغة هو طلب ما فيه مشقة وقد يكون الطلب جازما أو غير جازم وقد يكون أيضا طلب فعل أو طلب ترك وهذه هي الأحكام الأربعة الوجوب والندب والحرمة والكراهة فإذا لم يكن هناك طلب فهي الإباحة وبذلك تصبح الأحكام التكليفية خمسة‏.

والسؤال الثاني‏:‏ كيف إذن نعرف القرآن والسنة؟ وهنا أنشأ المسلمون علوما لنقل النصوص وضبط التلقي الشفهي عبر الأجيال وكيفية تسجيل ذلك الشفوي بصورة كتابية وتحريرية فكان علم الرجال والجرح والتعديل وعلوم القراءات والرسم والضبط القرآني ومصطلح الحديث وهو ما لم يحدث إلى يوم الناس هذا في توثيق كلام احد من البشر‏.‏

وامتد التوثيق بصور مختلفة ودرجات متعددة لنقل متن اللغة العربية بأشعارها ونصوصها بحيث تصبح دالة على معاني الألفاظ وعلى قوانين اللغة وتولدت من أجل ذلك علوم كالنحو والصرف والعروض وفقه اللغة وتمت مجهودات كبيرة في هذا الشأن مبكرا كالمعجمية واستمرت هذه الخدمة عبر العصور حتى ظهر علم الوضع ونحو ذلك‏.‏

والسؤال الثالث كان يدور حول كيفية الفهم لهذه النصوص المنقولة التي هي حجة بذاتها والتي ثبتت لدينا؟ فوضع المسلمون أدوات لتحليل المضمون وأسسا لفهم النصوص‏,‏ مستمدين ذلك من مجموع اللغة وقوانينها وخصائصها ومن الأحكام الفقهية التي اتفق عليها المجتهدون ومن الطريقة المنهجية التي توصلوا بها إلى الأحكام التي اختلفوا حولها في جزئيتها وإن اتفقوا بصورة إجمالية في مناهج استنباطها‏.‏
والسؤال الرابع بعد أن تم تحديد حجية المصدر وإثباته وفهمه ماذا نفعل عندما تختلف الأنظار في فهم نص معين؟ وهنا جاءت نظـرية القطعية والظنية‏,‏ حيث أن هناك فعلا أمورا اتفق عليها كل المسلمين وليس هناك أي خلاف فيما بينهم حولها وهو ما سماه الأصوليون بعد ذلك الإجماع واستدل له الشافعي بقوله تعالي‏:(‏ويتبع غير سبيل المؤمنين‏)[‏ النساء‏:115].‏

وهذا هو المعبر عنه بالقطع فلا يمكن مع وجود هذا الإجماع أن نفهم النص بحيث نخالف أو نخرق ما اتفق عليه المسلمون‏,‏ لأن ذلك يدل علي وجود خلل خفي على الناظر الذي توصل إلى الحكم المخالف ولذلك جعلوا الإجماع سقفا للاجتهاد وانه في الحقيقة يمثل هوية الإسلام ونظرية القطعية والظنية هذه سيكون لها أكبر الأثر في قضايا الخلاف الفقهي ومسألة الاجتهاد والإفتاء‏.

ويجدر بنا التنبيه هنا أن كثيرا ما يدعي الإجماع ولا يكون ذلك صحيحا بل يكون هناك اتفاق شائع لا يندرج تحت مفهوم الإجماع الأصولي الذي هو حجة ولذلك نرى كثيرا من المعاصرين ينكرون الإجماع ونحن نخالفهم في هذا فيمكن أن ننكر الإجماع المدعي في مسألة بعينها ولكن لا يمكن أن ننكر الإجماع باعتباره معبرا عن المساحة القطعية في الشريعة‏.

وهذه المساحة أقل بكثير من المساحة الظنية التي يمكن لنا أن نختلف فيها‏.‏
ويعد هذا الاختلاف من باب اختلاف التنوع وليس من باب اختلاف التضاد‏.‏
واختلاف التنوع أعطى للفقه الإسلامي مرونة وسعة وجعله قادرا على مواجهة اختلاف الزمان والمكان والأحوال والأشخاص‏.‏

والسؤال الخامس إذا كان ولابد من وصف الأفعال البشرية بحكم من الأحكام الخمسة السابق ذكرها فكيف نفعل ذلك والنصوص التي بين أيدينا محصورة؟ فالقرآن‏6236‏ آية منه ما لا يزيد على ثلاثمائة آية وقيل خمسمائة آية متعلقة بالأحكام الشرعية والباقي في العقيدة والأخلاق.‏

ومعنا نحو ألفين من الأحاديث النبوية تتعلق بهذه الأحكام أيضا وهنا ظهرت آلية الإلحاق التي أخذت في مضمونها أشكالا متعددة منها القياس ومنها تنزيل الكلي على إفراده الذي أنتجه الظاهرية وبذلك تمكن المسلمون من إيقاع النصوص المحددة المطلقة علي الواقع النسبي المتغير بحوادثه المتجددة غير المحصورة‏

والسؤال السادس بعد كل ذلك ما المحددات التي تمكننا من استنباط الحكم بما يتلاءم مع مقاصد الشرع ومراد الله من خلقه وروح التشريع وتحقيق مصالح الناس في معاشهم والاتفاق مع سنن الله سبحانه وتعالى في الأنفس والآفاق ومع المبادئ العامة التي ذكرها في كتابه ومع النظام الأخلاقي من القيم الذي دعا إليه الإسلام منذ آدم وإلى اليوم.

فرأيناهم يتكلمون عن هذه المحددات فتكلموا عن العرف والعادة وشرع من قبلنا وسد الذريعة فيما أسموه الاستدلال وبعضهم يقول الأدلة المختلف فيها‏.‏ وأوصلها جمال الدين القاسمي بعد تقصيها من كلامهم إلى أكثر من ستة وثلاثين عنصرا‏.‏

والسؤال السابع كان سؤالا منهجيا حول آلية فك التعارض بين الأدلة العقلية والنقلية التي ظاهرها التعارض في ذهن الباحث أثناء بحثه وأن لم تكن كذلك في نفس الأمر فأفردوا بابا للتعارض والترجيح‏.

وجاء السؤال الثامن منهجيا أيضا فتكلموا فيه عن شروط الباحث ومرة يعبرون عنه بالناظر ومرة بالمثبت ومرة بالمجتهد وهذا هو المنهج الذي أنشأ مسائل الفقه الإسلامي‏.‏ فكيف كان الإفتاء؟‏

يتبع …

الأهرام 26 نوفمبر 2007

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: