ما بعد الحـج

Dr. Ali- 2 

بقلم‏:‏د‏.‏ علي جمعة
مفتي الديار المصرية

لقد من الله علي هذا العام أن أحج إلي بيته العتيق‏، بما في هذه الرحلة الروحية والعبادة الجليلة من معان وقيم وأحوال ومنافع للمسلمين ولأمتهم‏، في حالهم ومستقبلهم‏.‏ فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات‏.‏ ولقد كنت سافرت إلى رحلة الحج أول مرة في سنة‏1396‏ هـ وكانت توافق‏1976‏ م وبالمقارنة بين الحج في هذه السنة منذ أكثر من خمس وثلاثين سنة فإن الفارق في المكان وخدماته وفي الحجيج وتصرفاتهم كبير‏.‏ وإن الأمر في غاية التحسن ويسير في اتجاهه الصحيح‏.‏ والذي يهمنا في هذا هو استخلاص الدروس وكيفية تحويل المبادئ الشرعية إلي سلوك وأخلاق تفيد الاجتماع البشري‏,‏ وتجعل المسلمين علي كلمة سواء‏,‏ وتؤثر في مجريات الأمور نحو الخير‏,‏ وبصورة إيجابية‏,‏ ونحاول أن نجعل قراءتنا للأحكام والمبادئ الإسلامية أكثر عمقا‏.

أمرنا ربنا بالهدي فقال تعالي‏:(‏ والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون‏*‏ لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله علي ما هداكم وبشر المحسنين‏)[‏ الحج‏:36‏ ـ‏37],‏ والقانع هو السائل‏,‏ والمعتر الذي يتعرض لك وهو فقير ولكن من غير سؤال‏,‏ ومعني هذا‏:‏ أن تعطي الذي سألك والذي لم يسألك‏,‏ وذهب الإمام الشافعي إلي أن الأكل من الهدي مستحب‏,‏ وأن الإطعام منه واجب‏,‏ فإن أطعم جميع الهدي أجزأه وإن أكل جميعه لم يجزئه‏,‏ هذا فيما كان من قبيل التطوع‏,‏ أما الدماء الواجبة فلا يجوز أن يأكل منها شيئا‏,‏ وهذا الفقه لهذا النص لم يكن محققا في سنة ‏76‏ من خلال فقه الأمة بل كان محققا من خلال فقه الفرد‏,‏ فلابد لنا من وقفة للكلام موسعا بعد ذلك عن فقه الأمة وفقه الفرد حتى لا يغيب عنا هذا المعني خاصة وقد شغل فقه الفرد مساحة كبيرة جدا علي مناهج تعليمنا وعلي أسئلتنا اليومية الحياتية وعلي خطابنا الديني بشكل غطي علي فقه الأمة وكاد أن يجعله في الهامش لدرجة أن بعض المفكرين والمهتمين بالدراسات الإسلامية من غير الإسلاميين يكادون لا يعرفون عن مجهودات العلماء السابقين في فقه الأمة كالجويني والماوردي والغزالي وغيرهم كثيرا‏.‏ كانت الهدايا تذبح من أجل أن يأكل منها الإنسان ثم لا يجد تصريفا للباقي فتلقي في الطرقات‏,‏ بل كان بعضهم يذبح في الطرقات‏.‏

ومن الذي من الله به علينا أن أحسنا جمعها عن طريق بنك التنمية الدولي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي حيث يتم تصنيعها ثم بعد ذلك توزيعها علي المسلمين في العالم من القانع والمعتر‏,‏ فتحقق بذلك قوله تعالي‏:(‏ ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات علي ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير‏)[‏ الحج‏:28].

انتهت ظاهرة الافتراش ببركة الطاعة والشعور بأن المسلم لا يؤذي أخاه ولا يكون سببا في ذلك‏,‏ فإن الافتراش يؤخر سيارة الإسعاف والمطافئ بالإضافة إلي تلويث الطرقات الموصلة إلي الحرم الذي أمرنا الله بتطهيره‏,‏ قال تعالي‏:(‏ أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود‏)[‏ البقرة‏:125],‏ ولقد أصدرت فتوى سنة‏1426‏ هـ حول هذا الموضوع وكان المتخلفون بعد عمرة رمضان أكثر من‏100‏ ألف في حين أن الحجاج المصريين نحو‏60‏ ألفا‏,‏ وبذلك فإن نحو ضعف الحجاج الذين لهم مكان في الأماكن المقدسة يتواجدون في نفس الوقت من غير مكان‏,‏ وذهبت هذه الفتوى من خلال فقه الأمة إلي تحريم هذا التخلف لمخالفته الشرعية حالا ومآلا للنصوص‏,‏ ونختار منها قول رسول الله صلي الله عليه وسلم‏:‏ يد الله مع الجماعة‏(‏ رواه الترمذي‏),‏ ومنها قوله‏:‏ من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم‏(‏ رواه الطبراني في معجمه الأوسط‏),‏ والفقه المأخوذ من تحريق مسجد الضرار‏;‏ فإن صورة العبادة لا تكفي لإقرار الخطأ المؤذي للناس‏,‏ قال تعالي‏:(‏ ويؤثرون علي أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك‏;‏ هم المفلحون‏)[‏ الحشر‏:9].

ورمي الجمار وقد اختلف فيه الأئمة المجتهدون ما إذا كان واجبا أو هو سنة‏,‏ ولقد وسع المرمي وتعددت طوابقه وأنفق في ذلك مليارات نسأل الله سبحانه وتعالي أن يجعلها في ميزان حسنات كل المسئولين عن الحج‏,‏ وأن يجعلها الله سبحانه وتعالي خالصة لوجهه‏.‏ ومع هذا الاتساع والتنظيم فلابد أن تنطلق الفتاوى من فقه الأمة أيضا‏;‏ فتتيح الرمي مدة اليوم كله‏,‏ وتتيح التوكيل ابتداء للضعيف والمريض والشيخ وجمهور النساء‏,‏ فكما كان يعلمنا مشايخنا أن هناك مفهوما يسمي عصر الضرورة حيث تستمر الحالة الاستثنائية لزيادة السكان وتكاثر الأعداد في مكان محدود محصور‏.‏ وهناك أمثلة كثيرة في حياتنا لابد فيها من فقه الأمة وإدراك استمرار حالة الضرورة‏,‏ منها كيفية الدفن في البلاد المصرية لطبيعة الأرض التي استلزمت الدفن في الغرف كما هو حاصل الآن ومنذ سنين طويلة تقدر بآلاف السنين‏,‏ ومنها ما ندعو إليه من التعايش مع العصر حيث رفعت الحدود بين الدول بالاتصالات والمواصلات والتقنيات الحديثة‏,‏ هذا التعايش الذي لا تتغير فيه الأحكام وإنما تتغير العلاقات وكيفية التعامل‏,‏ وعندنا في الشريعة أصل في الفترة المكية وأصل في بقاء المهاجرين بالحبشة‏,‏ وهما أصلان بهما فقه كبير إذا ما قرئا من خلال فقه الأمة‏,‏ وكثير من الخطاب الديني في مسألة الرمي لا يعرف إلا فقه الفرد‏,‏ الذي يريد أن يتم مناسكه وكأنه يحج وحده‏,‏ بل وكأنه ليس هناك في الكون سواه‏,‏ وهذا الشعور يؤثر في كل السلوكيات بعد ذلك وجعلنا جزرا مشرذمة لا يربطنا رابط ولا نعمل بشعور الفريق علي حد التعبيرات الحديثة‏,‏ أو بشعور الجماعة بالتعبير الشرعي‏.‏ اللهم تقبل منا وفقهنا في الدين‏.

الأهرام 7 يناير 2008

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: