فقــه الأمــة

Dr. Ali- 2

 

 

 

بقلم‏:‏د‏.‏ علي جمعة
مفتي الديار المصرية

تلقيت عدة رسائل من القراء حول ما كتبته في الأسبوع الماضي عن فقه الفرد وفقه الأمة‏,‏ يطلبون فيها المزيد من الإيضاح والتأسيس والتأصيل‏:‏

والمقصود بفقه الفرد الفقه الذي يهتم ببيان الأحكام الشرعية للمكلف باعتباره فردا‏,‏ وهو فقه مهم ومباشر ويحتاج إليه الإنسان‏,‏ لأنه يتعلق بأفعاله وسلوكه اليومي والحياتي‏,‏ وهو في غاية التحديد والوضوح‏,‏ وهو أيضا يشمل جميع أفعال الإنسان‏,‏ لأنه من المقرر شرعا أن كل فعل من أفعال الإنسان له حكم عند الله‏,‏ والحكم هو خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالطلب أو التخبير‏,‏ ويدخل تحت الطلب طلب الفعل الذي قد يكون جازما فنسميه واجبا‏,‏ وقد يكون غير جازم فنسميه مندوبا‏,‏ ويدخل تحت الطلب أيضا طلب الترك الذي قد يكون جازما فنسميه حراما‏,‏ وقد يكون غير جازم فنسميه مكروها‏,‏ فالطلب يندرج تحته أربعة أحكام شرعية تصف أربعة أنواع من الأفعال‏,‏ فالأحكام هي‏:‏ الوجوب والندب والحرمة والكراهة تصف الأفعال‏,‏ فتكون واجبة كالصلاة والحج‏,‏ ومندوبة كالصدقة وصلاة النافلة‏,‏ ومحرمة كشرب الخمر والكذب‏,‏ ومكروهة كعدم التنظيف والتلبس بالروائح الكريهة ورفع الصوت بلا حاجة‏,‏ أما التخيير فتحته حكم الإباحة الذي يصف الفعل البشري بالمباح‏,‏ ودائرة المباح هي أوسع الدوائر علي الإطلاق‏,‏ فإن الأوامر والنواهي في الشريعة والتي تطلب الفعل والترك قليلة ومحصورة‏,‏ والمسكوت عنه والذي يترتب عليه دائرة المباح هو أغلب أفعال البشر‏.‏

وهذا الواقع في الفقه الإسلامي جعله مرنا وقادرا علي تجاوز الزمان والمكان يلبي احتياجات الناس مع المحافظة علي هوية جامعة لا تختلف لاختلاف الزمان والمكان والأشخاص والأحوال‏,‏ وإذا تأملنا تقسيم الفقهاء للفقه الفردي وجدناهم علي سبيل الإجمال يقسمونه إلى أربعة أقسام‏:‏ العبادات والمعاملات والمناكحات والقضاء‏,‏ وهناك تقسيمات أخري وإضافات أيضا تفرد بها بعض المذاهب‏,‏ وعادة ما يبدأ الفقه بباب الطهارات ثم الصلاة والزكاة والصيام والحج ثم يأتي باب البيوع وبقية المعاملات‏,‏ إلي آخر ما هنالك من أبواب‏,‏ وكل ذلك هو الفقه الفردي‏,‏ ولقد شغل مساحة كبيرة في مناهج التعليم في العالم الإسلامي كله عبر العصور‏,‏ لأنه هو الذي تشتد إليه الحاجة ويكثر فيه سؤال الناس‏,‏ ولكن الفقهاء نبهوا أيضا علي نوع آخر من الفقه يتعلق بالإنسان باعتباره جزءا من أمة‏,‏ وهو المسمي بفقه الأمة‏,‏ فإن خطاب الله قد يكون موجها إلى الفرد في نفسه وقد يكون موجها إليه باعتباره فردا من أفراد هذه الأمة‏,‏ فنراهم هنا يفرقون بين مفهوم المجموع والجميع‏:‏ فالخطاب الي المجموع باعتبارهم مجموعا يكون المقصود فيه هو إيقاع الفعل في الكون بغض النظر عن شخص الفاعل‏,‏ أما الخطاب للجميع فيكون المقصود فيه كل شخص علي حدة‏,‏ فلابد أن يقوم هو بنفسه بهذا الفعل‏,‏ إذن هناك خطاب ينظر إلى الفعل وآخر ينظر إلى الفاعل‏,‏ ومن هنا أيضا وبناء علي التفرقة بين الجميع والمجموع رأينا الأصوليين يفرقون بين فرض العين وفرض الكفاية‏,‏ وبين سنة العين وسنة الكفاية‏,‏ وهذا هو الأساس في الفرق بين فقه الفرد وفقه الأمة‏.‏

ولقد اهتم العلماء عبر القرون بفقه الأمة وألفوا فيه الكتب وأصلوه وأسسوا مبادئه‏,‏ إلا أنه لم يأخذ حظه من الاهتمام والشيوع بقدر ما أخذ فقه الفرد‏,‏ الذي كان أساسا لتدريس الفقه في معاهده‏,‏ ونال اهتمام طلبة العلم البالغ به‏,‏ وقد آن الأوان ـ بعد أن رفعت الحدود بين دول العالم وبين المسلمين وغيرهم حتى كدنا أن نعيش في حوار واحد ـ أن نهتم مرة أخري اهتماما بليغا بفقه الأمة‏:‏ تدريسا وتأصيلا وتفريعا‏,‏ بما يخدم المسلمين في العالم ويجعلهم أكثر إدراكا للواقع وتفاعلا معه‏,‏ فإن كثيرا من مشكلاتهم تتمثل في تعاملهم مع فقه الأمة من خلال منظور فقه الفرد‏,‏ مما قد يسبب في كثير من الأحيان ضياع المقاصد الشرعية‏,‏ أو ضياع مصالح الخلق‏,‏ أو عدم إدراك مراد الشارع من شرعه‏,‏ أو أن يكر التصرف الذي يحسبه أحدهم من الدين بالضرر علي الدين نفسه‏,‏ وكل هذا من التناقض الذي يسببه فقدان الفهم الدقيق للفرق بين فقه الفرد وفقه الأمة‏.‏

ولقد رأينا الإمام الجويني يؤلف كتابه المانع غياث الأمم والتياث الظلم وفيه تأصيل عميق وواف لفقه الأمة‏,‏ ولكنه يحتاج منا إلي أن نكمل المسيرة‏,‏ وأن ننهج نهجه‏,‏ وأن نسير علي منواله‏,‏ ولعلنا نفرد كلاما واسعا علي هذا الكتاب المهم الذي طبع عدة مرات‏,‏ لكنني لا أعرف أنه درس أو درست منه أجزاء حتي الآن‏,‏ وقد يكون ذلك لصعوبة لغته أو لغير ذلك من الأسباب‏,‏ ورأينا الماوردي وأبا يعلي الفراء بعده يؤلف كل واحد منهما الأحكام السلطانية ويتعرضان فيهما أيضا لفقه الأمة‏.‏ كذلك الكتب التي ألفت في منطقة وسيطة بين فقه الفرد وفقه الأمة‏,‏ مثل كتب الحسبة وكتب السياسة الشرعية‏,‏ ومثل كتاب المقدمة لابن خلدون‏,‏ فإن أمثال هذه الكتب يستفاد من موادها أيما استفادة في التأسيس والتأصيل لفقه الأمة‏,‏ وهذه المادة في التراث هي الأقل بين غيرها‏,‏ وموضوعاتها لا تعني إلا بالسياسة الشرعية التي بدئ في تدريسها في جامعة الأزهر وفي غيرها من الجامعات الإسلامية في النصف الثاني من القرن الماضي‏.‏ ونسأل الله المعونة لنتكلم في فقه الأمة كلاما يزيد الإيضاح حوله‏.‏

الأهرام 14 يناير 2008

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: