تأسيس فقــه الأمــة- 2

 

Dr. Ali- 2

 

 

بقلم‏:‏د‏.‏ علي جمعة
مفتي الديار المصرية

ولا نزال نتكلم عن فقه الأمة في مصادره ومجالاته‏:

1- فإذا كان فقه الأفراد مصدره الكتاب والسنة والإجماع والقياس ـ والأخير هو ما يسميه بعض العلماء المعقول ـ فإن فقه الأمة له المصادر نفسها‏,‏ إلا أن الأحكام التفصيلية لفقه الأفراد قد تكون لها أدلة تفصيلية‏,‏ والأحكام التفصيلية بالأمة لها أدلة تفصيلية وأدلة إجمالية‏,‏ وحول الأدلة الإجمالية وطريقة تتبعها واستخراجها نري الإمام الشاطبي يستفيض في كتابه الماتع الموافقات استفاضة واسعة في كيفية تتبع الأدلة واستقرائها للوصول إلي الضوابط الكلية‏,‏ حتى إن هذه الاستفاضة منعت الكتاب من أن يأخذ حظه من التدريس أو الشرح والمناقشة عبر قرون عدة‏,‏ ولعل هذا كان سببا آخر ـ بالإضافة إلي اهتمام الدرس الشرعي بفقه الأفراد اهتماما بليغا ـ حرم الناس من تدريس كتب فقه الأمة والاهتمام بها علي قدر أهميتها الشديدة‏.‏

وعندما تكلمت بهذا الكلام لدي بعضهم ولعدم وجود هذا المعني عنده ظن أني أهين أو أحتقر الإمام الشاطبي أو أقلل من شأنه‏;‏ فكتب عني أنني أفعل هذا‏,‏ وعندما أوضحت له الفرق بين ما أقول وبين ما فهمه قام آخر وقال عن الحادثة نفسها إنني أنتقد كتاب بداية المجتهد لابن رشد‏!‏ فلم يفرق بين الموافقات للشاطبي والبداية لابن رشد‏,‏ ولعل الخطأ دخل عليه لأن في اسم كل من المؤلفين حرف الشين‏.

وإلى هذا الحد من البعد عن المعاني يتم كثير من الجدل غير المثمر‏,‏ وما ذكرت ذلك إلا لأدلل على مدي بعد المعني عن فكر كثير من الناس‏,‏ وإلى الله المشتكي‏.‏

2- وإذا كانت مصادر كل من فقه الأفراد وفقه الأمة واحدة‏,‏ وكانت طريقة البحث والتتبع هي التي تختلف‏,‏ فلقد رأينا مجهود الإمام الغزالي ومن بعده حتى الشاطبي يصل إلي ما سموه المقاصد الخمسة للشريعة‏,‏ وهنا يجدر علينا أن نبين أن مراد الله من خلقه هو عبادة الله وعمارة الكون وتزكية النفس الإنسانية المكلفة‏,‏ وهذه الثلاثة هي التي توصل إليها العلماء من خلال تدبر النصوص‏,‏ ويعتمدون في ذلك علي قوله تعاليى {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون‏(‏ الذاريات‏:56),‏ وقوله تعالي‏:‏ هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها‏} (‏ هود‏:61),‏ أي طلب منكم عمارها‏;‏ لأن الألف والسين والتاء في كلمة‏(‏ استعمركم‏)‏ للطلب‏,‏ أي طلب منكم عمارها‏,‏ وقوله تعالي‏ {قد أفلح من زكاها}‏(‏ الشمس‏:9).

أما مقاصد المكلفين فبالاستقراء كانت خمسة‏:‏ حفظ النفس وحفظ العقل وحفظ الدين وحفظ العرض ـ وبعضهم يعبر عنه بالنسل‏,‏ وبعضهم يعبر عنه بكرامة الإنسان ـ وحفظ المال ـ وبعضهم يعبر بالملك ـ‏,‏ وهذه الخمسة هي مقاصد المكلفين علي مستوي الأفراد وعلي مستوي الأمة معا.

3- فحفظ النفس في فقه الفرد هو المناسب لتحريم قتل النفس البشرية بغير حق‏,‏ فقال تعالى {…‏ من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا‏…}(‏ المائدة‏:32).‏ ولكن حفظ النفس بالنسبة للأمة هو في العمل علي وحدتها وقوتها وتحركها ونموها‏,‏ وهذا يحتاج إلى فقه آخر نراه يكتب حولنا منطلقا من نماذج معرفية مختلفة ليست بالضرورة متمسكة بنموذج الإسلام‏,‏ وهو الأمر الذي قد تقدم فيه المصالح الشخصية علي مصلحة الأمة‏,‏ فيدخل الخوار والضعف إليها‏,‏ ونري الحال بمرور الزمن القصير وقد فرطنا في أنفسنا وحقوقنا وازددنا شرذمة وضعفا‏,‏ في حين لو تصدرت مصلحة الأمة قائمة أولوياتنا لتغير الحال ولحسن المآل‏,‏ وتقديم مصلحة الأمة يحتاج إلي فن وفكر ومعاناة وملكة سياسية ووعي وتوفيق بين هذه الأولوية وبين مصالح الوطن منطلقين من حقيقة عدم التعارض بينها‏,‏ في حين نري الآن أن كثيرا من المحللين وأصحاب الفكر والقرار ينطلقون من مسلمة لديهم بأن الانتماء الوطني يتعارض مع الانتماء إلى الأمة ومن هنا فإن الانتماء الوطني لابد أن يقدم‏,‏ وحينئذ لا تتكون ملكة التوفيق‏,‏ وتصبح هذه المسلمة أول خطوة في طريق الشرذمة والانحصار‏.

4- إن حفظ العقل الفردي يوجب التعليم والبحث العلمي‏,‏ ويعد التقصير فيهما تقصيرا في مقاصد المكلفين بالكلية‏,‏ ويضعنا هذا في بؤرة اهتمام العمل‏,‏ وغير مقبول أن تكون أمة‏(‏ اقرأ‏)‏ لا تعرف القراءة‏,‏ وقد استطاعت أمم أخري القضاء تماما علي الأمية الهجائية‏,‏ وإزالة الأمية الهجائية‏,‏ وإن كان أبسط الأشياء‏,‏ إلا أن الأمة مطالبة بإزالة أنواع الأمية الأخرى‏,‏ كالأمية السياسية‏,‏ ففي حديث رسول الله صلي الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم‏,(‏ رواه الطبراني في الأوسط‏)‏ وهذا بالإضافة إلى الأمية الفكرية والتكنولوجية‏…‏ إلخ‏.‏

وفي هذا المجال والذي قبله تظهر قضايا البيئة والتعددية السياسية والإرهاب والتعايش والصحة والأمن والتكافل الاجتماعي ومساحات كبيرة من الحياة ويجب علي المسلم أن يحدد الموقف منها بالعلم والنقاش والجدل النافع‏,‏ وبطريقة الإنارة لا الإثارة من نموذج آخر غير النموذج الجاهز الذي طرح علينا فأخذناه كسلا علي طريقة التقليد لا الإبداع ولا التفكير المستقيم المستقل‏.‏

الأهرام 4 فبراير 2008

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: