تأسيس فقــه الأمــة

Dr. Ali Jum’aa- 2

 

 

 

بقلم‏:‏د‏.‏ علي جمعة
مفتي الديار المصرية

فقه الأمة مؤسس على عدة أدلة من الكتاب والسنة‏,‏ حيث يخاطب الشرع الشريف الأمة مرة ويخاطب الأفراد مرة أخرى‏,‏ فمن خطاب الأمة قوله تعالى‏ {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء علي الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا}‏[‏ البقرة‏:143],‏ وقوله تعالى {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله‏}[‏ آل عمران‏:110],‏ وقوله تعالى {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا}‏[‏ آل عمران‏:103],‏ إلى غير ذلك كثير مما خاطب الله به الأمة مجتمعة فهو يخاطب مجموعة والعبرة في هذا الخطاب المجموعي إقرار النظام العام والهيئة الاجتماعية‏,‏ بخلاف ما خاطب به الأفراد‏,‏ فإن المقصود فيه هو خطاب موجه إلى الفاعل في حين أن خطاب الأمة يطلب حدوث الفعل‏,‏ فالعبرة في خطاب الجميع الفاعل والعبرة في خطاب المجموع الفعل‏.‏ وللإيضاح‏:‏ إننا لو طلبنا من الطلاب الاستعداد للاختبار فإننا نطلب منهم‏,‏ أي من كل واحد على حدة أن يجيب عن الأسئلة لنقومه‏,‏ فالخطاب هنا للجميع والعبرة بالفاعل أما إذا طالبنا الطلاب في فصل معين بالاستعداد لمسابقة بينهم وبين فصل آخر فالخطاب هنا للمجموع والعبرة فيه بالفعل‏.‏

والفصل المنتصر بفريقه ينسب إليه الانتصار حتى لو لم يقم كل الطلاب بالمشاركة‏.‏
ولقد طلب منا كأمة أن نصير أقوياء وأن نتقدم الأمم وأن نكون شهداء عليهم‏,‏ فإذا نحن فعلنا ذلك نسبت القوة والتقدم إلى كل فرد من أفراد أمتنا‏,‏ وإذا نحن قصرنا في ذلك نسب الضعف والتخلف لكل فرد من أفراد أمتنا حتى لو كان ناجحا في نفسه ومتقدما في ذاته‏.‏

ويؤسس فقه الأمة أيضا من قوله صلي الله عليه وسلم‏:‏ من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم‏(‏ الجامع الكبير للسيوطي‏).‏ وجملة طويلة من الأحاديث النبوية الشريفة التي تخاطب الأمة في مجموعها.

ويجب علينا أن نتنبه إلى أن هذا التقسيم إنما هو تقسيم أكاديمي لأن في جريان الحياة مزجا بين فقه الفرد وفقه الأمة‏,‏ بمعنى أن الفرد الإنسان له اعتباران‏:‏ الاعتبار الشخصي الفردي‏,‏ واعتبار انتمائه لجماعة من الناس تمثل الأمة‏,‏ ومن هنا فليس هناك أي تناقض بين فقه الفرد وفقه الأمة‏,‏ بل هناك تكامل تام منع من ظهور الثنائية التي ظهرت في الجدل الفلسفي الغربي بين الفردية والجماعية‏,‏ فتبنت بعض النظم الفردية علي حساب الجماعية‏,‏ وتبنت نظم أخري الجماعية علي حساب الأفراد بحسبان أن هناك صراعا بين الفردية ـ ويعبرون عنها بكلمة‏(individualism)‏ ـ والجماعية‏(Community),‏ وما زال الجدل قائما إلى الآن حول هذه المسألة في الأدبيات الغربية‏.‏ إلا أن نظرة الفكر الإسلامي بين الأمرين قائمة على التكامل وليس على نظرة الصراع مما يجعل الحلول المقترحة مختلفة‏.‏

ومن المؤلفات التي اهتمت بفقه الأمة ولم يكن لها حظ من التدريس بمقدار ما رأيناه في فقه الأفراد كتاب جليل كالغياثي المسمي غياث الأمم في التباث الظلم لإمام الحرمين أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني‏ (‏ ولد عام‏419‏ هـ وتوفي‏478‏ هـ‏),‏ وهي رحلة فكرية ماتعة يأخذنا فيها الإمام الجويني ويعلمنا أسس التفكير المستقيم‏,‏ وفضل التفكير علي محض التقليد حتى إنه ينعي علي من يكرر النقل ويستقصيه فيقول في الفقرة‏(242):‏ ولو ذهبت أذكر المقالات‏,‏ وأستقصيها‏,‏ وأنسبها إلى قائليها وأعزيها لخفت خصلتين‏:‏ إحداهما ـ خصلة أحاذرها في مصنفاتي وأتقيها‏,‏ وتعافها نفسي الأبية وتجتويها‏,‏ وهي سرد فصل منقول عن كلام المتقدمين مقول‏.‏ وهذا عندي تنزل منزلة الاختزال والانتحال‏,‏ والتشيع لعلوم الأوائل‏,‏ والإغارة علي مصنفات الأفاضل‏.‏ وفي الفقرة‏(378)‏ يقول‏:‏ لست أحاذر إثبات حكم لم يدونه الفقهاء ولم يتعرض له العلماء‏,‏ ثم يقول‏:‏ ومتى انتهي مساق الكلام إلى أحكام نظمها أقوام‏,‏ أحلتها علي أربابها وعزيتها إلى كتابها‏.

أقول وفي لسان العرب عن اللحياني يقال‏:‏ عزوته إلى أبيه وعزيته‏,‏ أي أن هذا الفعل واوي ويائي ـ ولقد حقق الكتاب الأستاذ الدكتور عبد العظيم الديب ونشره سنة‏1400‏ هـ بدولة قطر علي نفقة إدارة الشئون الدينية‏.‏ ولقد ألفه الإمام الجويني وتكلم فيه عن أمور أصولية كإثبات الإجماع والرد علي منكرية ومرتبته من الأدلة الشرعية وهو ما نحن في أشد الحاجة إليه في عصرنا الحاضر ليكون ضابطا عند محاولة الاجتهاد التي نحتاجها‏.‏ وتكلم عن صفات أهل العقد وعن عددهم‏,‏ وفي صفات الإمام وأحواله‏,‏ وفي منع نصب إمامين‏,‏ وفي وظائف الإمام فيما يتعلق بالدين والدنيا‏,‏ وماذا لو انخرمت الصفات المعتبرة في الأئمة‏,‏ وخلو الزمان عنهم وحكم تخليه عن منصبه‏,‏ وفي خلو الزمان عن المجتهدين أو عن المفتين أو عن نقلة المذاهب‏,‏ وعلاقة فقه الأفراد في دائرة العبادات مع فقه الأمة وماذا لو خلي الزمان عن أصول الشريعة وكيف يكون التكليف‏..

ولقد ألف إمام الحرمين كتابه هذا بعد كتاب الإمام أبي الحسن علي بن محمد الماوردي ‏(‏المتوفى سنة‏450‏ هـ‏)‏ الأحكام السلطانية وانتقده في أكثر من موضع من الكتاب مع أنه من كبار أئمة الشافعية وكان يجله ويحترمه إلا أنه يقول في الفقرة‏(309):‏ والشكوى إلى الله ثم إلى كل محصل مميز‏,‏ من تصانيف ألفها مرموق متضمنا ترتيب ـ وتبويب ـ ونقل أعيان كلام المهرة الماضين‏,‏ والتنصيص على ما تعب فيه السابقون‏,‏ مع خبط كثير في النقل وتخليط‏,‏ وإفراط وتفريط‏,‏ ولا يرضي بالتقلب و بالتصنيف مع الاكتفاء بالنقل المجرد حصيف‏.‏ ثم استمر التأليف والعطاء كما سنري‏.‏

الأهرام 28 يناير 2008

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: