تأسيس فقــه الأمــة- 3

Dr. Ali Jum’aa- 2

 

 

 

بقلم‏:‏د‏.‏ علي جمعة
مفتي الديار المصرية

يعبر الفقهاء عن مقصد كلي من مقاصد الشريعة العليا بحفظ العرض وبعضهم يعبر بحفظ النسل‏,‏ والمتأمل في كلامهم عن هذا المقصد يعرف أنهم يريدون حالا أو مآلا ما نعبر عنه في أدبياتنا الحديثة بكرامة الإنسان وهو تعبير مأخوذ من النص القرآني في قوله تعالى‏ {ولقد كرمنا بني آدم‏}‏ الإسراء‏:70‏.  فالتكريم في الآية يشمل أبناء آدم جميعا المؤمن وغير المؤمن‏,‏ الذكور والإناث‏,‏ الصغار والكبار‏,‏ الأسود والأبيض‏,‏ من غير تمييز من أي جهة كانت‏,‏ فحفظ عرض الإنسان‏,‏ والذي نعبر عنه بكرامته مقصد أعلى من مقاصد الشريعة‏,‏ وهو أيضا معيار لا ينساه الفقيه الذي يتكلم في فقه الأمة‏,‏ بل إنه يجعله نصب عينيه‏,‏ وسيؤثر ذلك كثيرا في الأحكام الشرعية وفي فهم النصوص وفي كيفية التعامل معها‏.‏

1- وعندما تكلم الفقهاء المحدثون عن حقوق الإنسان جعلوها جزءا من الحفاظ على كرامته فقضايا حرية الاختيار في السكن وفي الانتقال وفي العمل وفي التعبير وفي الاعتقاد وفي السياسة وغير ذلك هي جزء من هذه المحافظة علي كرامة الإنسان‏,‏ والحقوق عند المفكرين المسلمين تصل إلى مرتبة الواجبات‏,‏ وهو ما يتميز به الفكر الإسلامي عما سواه‏,‏ ومن أجل ذلك كان حق الحياة واجبا‏,‏ فيحرم العدوان بالقتل ويحرم أيضا الانتحار‏,‏ وحفظ العقل هو حق ارتقي إلى مرتبة الواجب فحرم إذهاب العقل على المستوي الفردي بالمسكر والمخدر‏,‏ لكن وجب أيضا على مستوي الأمة التعلم والتعليم والبحث العلمي‏,‏ وهكذا في كل المقاصد التي تشكل حقوقا للإنسان فإنها ترتقي إلى مرتبة الواجب‏.

2- ومن تأصيل فقه الأمة فيما يتعلق بكرامة الإنسان ربط ذلك بالرؤية الكلية للأكوان عند المسلمين‏,‏ فكرامة الإنسان حولها عدة مفاهيم تجعل الإنسان علي قمة الهرم فيأتي تكريمه نتيجة منطقية وطبيعية لتلك الرؤية الكلية للأكوان‏,‏ فموقف المسلم من الجمادات ومن عالم النبات ومن الحيوان يمثل تلك البيئة المحيطة بمفهوم كرامة الإنسان‏,‏ فالمسلم يرى أن الكون من حوله بكل أجزائه مخلوق لخالق‏,‏ وأن هذه المخلوقية جعلته في طريق الاعتراف بالإله وعبادته ومن هنا يؤمن المسلم بأن الكون كله يسبح بحمد ربه قال تعالى {وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم‏} الإسراء‏:44‏.  وقال تعالى‏ {سبح لله ما في السموات والأرض‏} الحديد‏:1,‏ وهذا الذي دعا العلماء إلى القول بتسبيح الحال وتسبيح المقال‏,‏ فتسبيح الحال هو تسبيح الكائنات وتسبيح المقال يحتاج إلى ألفاظ وإلى لغة تقوم بوظيفة الأداء والتلقي‏,‏ كما أن هذه الكائنات تسجد لربها‏,‏ قال تعالى {ولله يسجد من في السموات والأرض}‏ الرعد‏:15,‏ وقال تعالى‏ {ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب‏}‏ الحج‏:18‏ وقال تعالى‏ {ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين‏}‏ فصلت‏:11,‏ بل إنه وصف هذه الكائنات بشيء مما يشعر المسلم بالتفاعل معها فقال‏ {فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين‏}‏ الدخان‏:29‏ وقال‏ {إنا عرضنا الأمانة علي السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا‏}‏ الأحزاب‏:72,‏ فإذا صار الإنسان في كون كهذا شعر بأنه ليس وحده الذي يعبد ربه وأنه يجب عليه أن يعمر هذا الكون وأن يتعامل معه معاملة الصديق الرفيق‏.

3- وإذا انتقلنا إلى النبات وهو جزء من هذه الكائنات يختلف عن الجماد في نموه وحركته وفي تنفسه وجدنا الأحكام تحرم علينا العدوان عليه وتري العدوان عليه جريمة ومن الصفات الذميمة مثلها مثل العدوان على الإنسان وحبها في الطبع كحب الأبناء‏,‏ عرفنا حينئذ أن التعامل معها جزء لا يتجزأ من تربية الشخصية المسلمة التي إذا ما أرادت أن تدرك فقه الأمة أدركته من خلال احترامها للأكوان بأجزائها المختلفة جمادا ونباتا وحيوانا‏,‏ قال تعالى {وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد‏}‏ البقرة‏:205‏، فجمع بين الحرث والنسل‏,‏ وقال تعالى‏ {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب‏}‏ آل عمران‏:14‏، فجمع بين الإنسان وغيره من الكائنات في نسق واحد يبني هذه البيئة التي تؤكد عليها والتي ستؤثر بعد ذلك في الرؤية الكلية لفقه الأمة‏.‏ 4- وأما الحيوان فيكفينا فيه مع ما تقدم ما ورد في الحديث الشريف‏ “دخلت امرأة النار في هرة ربطتها‏,‏ فلم تطعمها‏,‏ ولم تدعها تأكل من حشاش الأرض‏” (‏ صحيح البخاري‏),‏ وقوله صلي الله عليه وسلم‏ “بينما كلب يطيف بركية كاد يقتله العطش‏,‏ إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل‏,‏ فنزعت موقها فسقته‏,‏ فغفر لها به‏” (‏ صحيح البخاري‏)‏ وما أورده أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ‏:‏ أنه صلي الله عليه وسلم‏,‏ سُئل ‏”وإن لنا في البهائم أجرا؟” قال “في كل كبد رطبة أجر‏” (‏ صحيح البخاري‏)‏ وقوله‏ “ما من مسلم غرس غرسا فأكل منه إنسان أو دابة إلا كان له صدقة‏ (‏صحيح البخاري‏)‏

5- كان من الممكن أن نقول إن الإسلام يدعو إلى حقوق الأكوان فيشمل ذلك حقوق الإنسان وقضايا البيئة وقضايا المرأة والطفولة وكثيرا من القضايا المتشعبة‏,‏ إلا أن هذا التعبير‏,‏ أعني كلمة‏(‏حقوق‏)‏ قد أحله أهل القانون بمصطلح خاص يجعل قولنا‏ “حقوق الأكوان” ليس مستساغا عندهم باعتباره غير متوافق مع مصطلحهم‏ (‏ يتبع‏)

الأهرام 11 فبراير 2008

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: