الزكاة وفقه الأمة

Dr. Ali- 2

بقلم‏:‏ د‏.‏ علي جمعة

مفتى الديار المصرية

لما فتحنا باب التنبيه إلى فقه الأمة ووجوب الاهتمام به وإحياء سنة السلف الصالح في تأليفهم حوله‏,‏ تلقيت عدة أسئلة من شباب الباحثين الذين اشتاقوا للقيام بالبحث في مجال فقه الأمة‏,‏ وأحببت أن أتواصل معهم من خلال المقال الحالي‏.

1- كيف نجيب على أسئلة تتعلق مثلا بركن من أركان الإسلام وهو الزكاة؟ ما حكمة فرضها؟ وما دلالة أحكامها في الأمة؟ وهل الزكاة تكون في كل الأموال أم أنها فقط في كل مال نام؟ وكيف يتم الاختيار الفقهي لمجموعة من الأسئلة الكثيرة لا نعلم أحكامها إلا من قبيل فقه الأفراد؟ وكيف يتم الترجيح بين المذاهب المختلفة في هذا الشأن؟ وما السبب الظاهر في العدول عن فقه الأمة في مثل هذا الموضع والاستغراق في فقه الأفراد؟

2- لقد تقرر عند الفقهاء أن حكم الحاكم يرفع الخلاف‏,‏ وهي قاعدة حملت أساسا على حكم القاضي‏,‏ حيث إنه يرفع الخلاف بين المتنازعين ظاهرا وباطنا‏,‏ ويقصدون بالظاهر ما بين الناس بعضهم مع بعض‏,‏ ويقصدون بالباطن ما بين الناس والله سبحانه وتعالى‏,‏ أي ديانة‏,‏ ومن هذه القاعدة أخذ ولي الأمر سلطة الاختيار الفقهي‏,‏ حيث تقرر عندهم أيضا أن ولي الأمر هو الذي يأمر القاضي ويوجهه بأي المذاهب يحكم‏,‏ فقد يأمره بأن يحكم بمذهب من قبله‏,‏ أو بمذهب غيره‏,‏ أو يترك له حرية الاختيار‏,‏ وكل ذلك تم تنظيمه بعد حركة التقنين التي قادتها الدولة العثمانية بإصدارها للمجلة العدلية ثم ما تلا ذلك في العالم الإسلامي كله من نظام قانوني يتوخي العدل ولا يخرج عن أسس الشريعة الغراء‏.‏ فتم تنظيم هذا الاختيار الفقهي‏,‏ ولكن حدثت أزمة ثقة من قرون طويلة بين الناس – ومن بينهم الفقهاء – وبين الحكومة التي كانت غالبا موضع اتهام دائم‏,‏ وهنا خفت دور فقه الأمة‏,‏ وارتمي طلبة العلم بقوة في أحضان فقه الأفراد‏.‏

3- يجب علينا أن نراجع إدراك الواقع كل حين‏;‏ فإن مفهوم الدولة الحديثة لم يعد يتيح للأموال أن تذهب إلى خزانة الحاكم الشخصية‏,‏ وأصبحت هناك مؤسسات رقابية‏,‏ وأصبحت الدولة دولة مؤسسات يعلو قوانينها دستور هو أبو القوانين‏,‏ وانفصلت السلطات الثلاث‏:‏ التشريعية والقضائية والتنفيذية‏,‏ بحيث يجب مراجعة هذا الاتهام الذي لابد أنه قد تغيرت صوره‏,‏ حيث إن الأمر المطلوب الآن لم يعد اتهام الحكومة باعتبار أنها حكومة‏,‏ وإنما أصبح هو محاربة الفساد الذي لا يمكن لحكومة في الأرض أن تقر به حتى لو عجزت عن مقاومته‏,‏ حتى لو استشري فيها نفسها فإنه لابد عليها أن تشن عليه أيضا الحرب‏,‏ ومقاومة هذا الفساد سوف تختلف طرقه بهذه الصفة‏.‏

4- والاختيار الفقهي يجب أن نحدد فيه‏:‏ أولا طريق الاختيار‏:‏ هل سيكون بالأرجح دليلا‏,‏ أم سيكون بمراعاة المصلحة‏,‏ أم سيكون بالانتقاء في كل مسألة على حدة من الفقه الإسلامي الواسع الموروث فيما فيه اجتهاد من السابقين مع القيام باجتهاد جديد في المسائل المحدثة‏,‏ وثانيا مراعاة جهات التغير الأربع‏:‏ الزمان والمكان والأشخاص والأحوال‏;‏ حتى نحقق المصالح ولا نخرج عن المقاصد الشرعية ونحسب حساب الملائمة الواقعية مع عدم الخروج على إجماع ثابت واضح‏,‏ وبذلك نأخذ جانب النسبية في الاجتهاد ونتائجه‏;‏ لأنه جهد بشري‏,‏ مع الإيمان بأن النص المقدس من كتاب أو سنة صحيحة مطلق‏.‏

5- وننبه أيضا إلى أن فقه الأمة لا يبطل فقه الأفراد‏,‏ بل يضيف إليه‏;‏ ففقه الأمة سوف يرى مصرف‏ (‏في الرقاب‏)‏ ـ وهو أحد المصارف الثمانية في سورة التوبة‏,‏ حيث قال تعالى‏ {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم‏} [‏التوبة‏:60]‏ ـ يجب صرفه في الشعوب المضطهدة في بلادها والشعوب المحتلة والشعوب الذليلة التي حرمت من حقوقها‏,‏ تلك الحقوق التي فرضها الله وارتقى بها إلى حد الواجبات‏,‏ فليس إعطاؤها من قبيل المنة‏,‏ ولا أخذها من قبيل التسول‏,‏ في حين أن ذلك فهم في فقه الأفراد علي أنه يصرف للعبيد خاصة‏,‏ ولذلك يري فقه الأفراد أن هذا المصرف الآن لا وجود له‏;‏ حيث ألغى الرق‏.‏

ويذكرنا هذا المعنى بقول أمير الشعراء أحمد شوقي‏:‏

البر عندك ذمة وفريضــــة            لا منة ممنــونة وجبـاء
   جاءت فوحدت الزكـاة سبيـله           حتى التقى الكرماء والبخلاء
  أنصفت أهل الفقر من أهل الغنى           فالكل في حق الحيـاة سواء

6- إن فقه الأمة وهو يبحث عن حكمة الزكاة سوف يحدد ما يسمي بحد الكفاف وحد الكفاية وحد الكفاءة‏,‏ وسوف يرفض فكرة وجود حزام الفقر في المجتمع‏,‏ وحينئذ وبطريقة عملية نطبق قوله صلى الله عليه وسلم الذي يرويه عنه أنس بن مالك رضي الله عنه‏ “ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به”‏ [رواه الطبراني كما في مجمع الزوائد‏].‏ وسوف يعالج هذه المشكلة بصورة شاملة وكلية‏,‏ ويضم فيها إلى الزكاة الكفارات والتركات التي لا وارث لها‏;‏ مستأنسا بأنه لا سائبة في الإسلام‏,‏ فليس هناك مال لا صاحب له‏,‏ ويضم أيضا ركاز الأرض والوقف الداخلين في فكرة الفيء‏,‏ ولكنه سوف يتعامل أيضا مع الفقر في منظومة كلية تسعي إلى تنمية الموارد البشرية والتكافل الاجتماعي والقضاء على الجهل وإتاحة الصحة للجميع ومنع استغلال الطفولة والمرأة‏,‏ فالشمول لا يكون فقط في رؤية الأحكام المتعلقة بالزكاة‏,‏ بل سيكون أيضا في التطبيق‏.‏

الأهرام 3 مارس 2008

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: