الخير في كل شيء

Dr. Ali- 2

بقلم‏:‏ د‏.‏ علي جمعة

مفتى الديار المصرية

هل هناك شر محض أو أن الخير دائما نجده في كل شيء‏!‏ عقيدة المسلم أن الله سبحانه وتعالي قد خلق الخير والشر جميعا‏;‏ ولذلك فإن الخير من خلق الله وإن الشر من خلق الله أيضا‏,‏ ودائما يرى المسلم حكمة الله في أفعاله‏;‏ فيراها في خلقه للخير ويراها في خلقه للشر‏,‏ وهذه الرؤية سوف تجعله متأنيا في جميع المواقف‏,‏ متأملا في كل الأحداث‏,‏ راضيا بقضاء الله وقدره‏,‏ ويقف أيضا موقف العدل‏;‏ فيصف الأمر على ما هو عليه من خير وشر‏,‏ فعندما يري الشر لا تعميه هذه الرؤية عن رؤية الخير الذي قد يكون مختلطا معه‏,‏ أو يكون في نهاية طريقه‏,‏ أو يكون ناتجا عنه‏.‏ فكأنه ليس هناك شر محض‏,‏ ولو كان هناك شر محض لاستهجنه ورفضه جميع الخلق‏;‏ لأن الشر المحض ضد الفطرة‏,‏ ولكن لما اختلط بشيء من الجمال وفي بعض الأحيان بشيء من المعاني زين لبعضهم أن يفعله‏,‏ وهذا التزيين هو مدخل الشيطان إلى الناس‏.‏ قال تعالي‏: {تالله لقد أرسلنا إلي أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم‏} [النحل‏:63].‏

1- أما أن الله سبحانه وتعالى قد خلق الخير والشر معا‏,‏ فقد قال تعالى {قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار}‏‏ [الرعد‏:16],‏ وقال أيضا{وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا‏*‏ ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا}‏ ‏[النساء‏:79,78],‏ فهذا نص على أن الله قد خلق الخير والشر معا‏.‏

2- والرؤية المتأنية التي ذكرناها سنراها في سورة النور‏,‏ حيث قال ربنا سبحانه وتعالى‏ {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم‏}  [النور‏:11],‏ فالإفك الذي صدر من بعض المخطئين فأحزنهم وأثر في نفوسهم‏,‏ علمنا الله كيف نواجهه‏,‏ وكيف نرى فيه الخير بالرغم من أنه شر متفق عليه‏.‏

3- وهناك معنى آخر‏,‏ وهو ألا يكون الأمر شرا‏,‏ بل هو في نفسه خير‏,‏ ولكن تقويمنا هو الذي اختلف فظنناه شرا‏,‏ وفيه يقول ربنا سبحانه وتعالى {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} ‏[البقرة‏:216].‏

4- ويعلمنا الله تعالى العدل في الوصف وفي الحكم فيقول {لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما}‏ [النساء‏:114],‏ وأما في الحكم فيقول {ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون‏} [ المائدة‏:8].‏

لقد تواردت كل هذه المعاني في ذهني عندما تكررت الإساءات المفتعلة لسيد البشرية وخاتم المرسلين وحبيب رب العالمين‏,‏ وهي تلك الإساءات التي لم تتوقف قط عبر التاريخ وكانت موجودة وستظل كذلك مادام هناك شر قد خلقه الله سبحانه وتعالى في هذا العالم‏,‏ حيث يزين الشيطان هذه الأفعال‏;‏ مرة من مدخل الحرية التي تحبها الفطرة السليمة‏,‏ ومرة من مدخل الحرص على الأمن والأمان الذي تنجذب إليه النفوس السوية‏,‏ والسؤال ما الخير الذي وراء هذا الشر؟

5- فعندما يستمع الناس إلى الافتراء والكذب حول الإسلام ورسوله يبادرون بالاطلاع عليه‏,‏ ويرغبون في معرفة حقائقه‏,‏ فيكتشفون الكذب والبهتان‏,‏ وينقلبون إليه مناصرين للمسلمين ودينهم‏,‏ وبعضهم ينبهر بهذه الحقائق فيدخل في الإسلام‏,‏ وهذا هو الذي يحدث عبر التاريخ في كل مكان‏,‏ حتى أصبح المسلمون أكثر أهل الأديان عددا من غير حول منهم ولا قوة‏,‏ إذا استحضر المسلمون هذا‏,‏ حدث لهم في نفوسهم الرضا بقضاء الله‏,‏ وحدث لهم في نفوسهم العدل في الحكم على الناس‏,‏ وحدث لهم في نفوسهم التأني والتأمل في الموقف الصعب‏,‏ فازدادوا رفعة أمام أعين العالمين‏,‏ وبحالهم هذا يكذبون كل افتراء يهدف إليه هذا الاستفزاز المقصود‏,‏ الذي تحكمه في بعض جوانبه الرغبة في طرد المسلمين من بلاد غير المسلمين‏,‏ والرغبة عند المتطرفين منهم في إظهارهم في صورة غير صورتهم‏,‏ أو بأخلاق غير أخلاقهم‏,‏ فإن الغضب إذا سيطر على الإنسان لم ير طريق الصواب‏,‏ والنبي صلى الله عليه وسلم يقول‏: “لا تغضب ولك الجنة‏” أخرجه الطبراني في الأوسط‏.‏ وعن أبي هريرة أن رجلا شتم أبا بكر والنبي صلى الله عليه وسلم جالس‏,‏ فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يعجب ويتبسم فلما أكثر رد عليه بعض قوله‏,‏ فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقام‏,‏ فلحقه أبو بكر فقال‏:‏ يا رسول الله‏,‏ كان يشتمني وأنت جالس فلما رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت‏!,‏ قال‏:‏ إنه كان معك ملك يرد عنك‏,‏ فلما رددت عليه بعض قوله وقع الشيطان‏,‏ فلم أكن لأقعد مع الشيطان‏,‏ ثم قال‏:‏ يا أبا بكر‏,‏ ثلاث كلهن حق‏:‏ ما من عبد ظلم بمظلمة فيغضي عنها لله عز وجل إلا أعز الله بها نصره‏,‏ وما فتح رجل باب عطية يريد بها صلة إلا زاده الله بها كثرة‏,‏ وما فتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة إلا زاده الله عز وجل بها قلة رواه أحمد‏.

6- إننا لا نريد أن ننشغل في ردود أفعال‏,‏ وكلما بنينا جزءا من الجسر بيننا وبين العالمين جاء متطرف من هنا أو هناك ليهدم ما بنيناه‏,‏ أو ليعطل علينا العمل‏.‏ فلا تلتفتوا إليهم‏,‏ وسيروا على بركة الله‏,‏ قال تعالى {فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين‏*‏ إنا كفيناك المستهزئين‏*‏ الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون‏*‏ ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون‏*‏ فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين‏*‏ واعبد ربك حتى يأتيك اليقين}‏ [الحجر‏:94:99].

الأهرام 10 مارس 2008  

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: