خدمة كتاب الله

Dr. Ali- 2

بقلم‏:‏ د‏.‏ علي جمعة

مفتى الديار المصرية

عندما بدأ الشرق في نهضته الطباعية‏,‏ سواء في استنبول أو القاهرة‏,‏ في أواسط القرن التاسع عشر‏,‏ باشر نشر التراث الإسلامي في فروعه العربية وأقسامه كافة‏,‏ واهتم العلماء كثيرا بكتب الفقه واللغة العربية والتاريخ‏,‏ وكتب الحديث والأصول المسندة وبخاصة البخاري ومسلم ومسند أحمد وموطأ مالك‏,‏ إلا أن نسبة كتب اللغة والفقه والتاريخ كانت هي الغالبة‏,‏ وفي سبعينات القرن العشرين بدأت نهضة كبري في الاهتمام بعلوم الحديث النبوي الشريف‏,‏ فطبع في عشرين سنة من المخطوطات ما لم يطلع عليه بعض الحفاظ الكبار‏,‏ كابن حجر والقسطلاني وأمثالهما في علوم الحديث وأعيد طبع بعد التحقيق نحو عشرة أضعاف ما طبع منذ بدايات الطباعة مع المطبعة الأميرية ‏(‏ تأسست‏1821‏ هـ‏)‏.

ثم بدا للراصد أن توجها إلى الدراسات القرآنية بدأ في التسعينيات من القرن الماضي‏,‏ ومن هنا أردنا أن نلقي نظرة على خريطة الدراسات القرآنية‏;‏ ما الذي تحقق‏,‏ وما الذي نريده‏,‏ وما الذي يمكن أن يكون‏,‏ وما النقص في تلك الدراسات؟

1- لقد قامت مجهودات جبارة‏,‏ ومع جبروتها فإنها لا تزال في أول الطريق حول قضايا النقل الصحيح للقرآن إلى كل لسان بما يسمى ترجمة معاني القرآن‏,‏ فنشر الأستاذ إحسان أوغلو في تركيا بليوغرافيا جمع فيها تراجم القرآن إلى نحو‏65‏ لغة‏;‏ سواء أكانت تراجم جزئية أم كاملة‏,‏ وفي قطر بذل الدكتور حسن المعايرجي جهدا بليغا في جمع هذه التراجم نفسها‏,‏ وهي خطوة أولى لتقويمها والاستفادة منها في نقل معاني القرآن نقلا صحيحا خاليا من تحريف الجاهلين فانظر مدى المجهود المطلوب بعد المجهود الضخم غير المنكور‏,‏ فأمامنا خطوتان‏:‏ الأولى التقديم لما تم والثانية الترجمة الصحيحة لمعاني القرآن الكريم‏.‏

2- وعندما وصل أبو الكلام الأزاد أبادي في تفسيره ترجمات القرآن إلى سورة الكهف‏,‏ بدأ بحثا أثريا عن ذي القرنين‏,‏ وتوصل بعد بحث دؤوب إلى أنه قورش الفارسي‏,‏ وأن الباب الحديد هو سد ما بين أذربيجان وأرمينيا‏,‏ ولقد أنفق من ماله وجهده الكثير للوصول إلى هذه المعلومات التي تؤيد القرآن وما ورد فيه من صفات لذلك السد والمواد التي استخدمت فيه‏,‏ ومثل هذه الدراسات المساعدة ـ إن صح التعبير ـ نحن في بداياتها ونحتاج إلى الكثير منها‏,‏ ولقد توصلت مصلحة الآثار الأردنية في منطقة الرقيم إلى كهف أهل الكهف وأصدر الدجاني كتابا عن هذا الكشف‏.‏

3- وتكونت في مصر جمعية الإعجاز العلمي للقرآن لتحرير معناه وبيان كيفية الاستفادة منه‏,‏ وصدرت مؤلفات عدة حول الموضوع‏,‏ وهذا الاتجاه الذي يستهدف حماية القرآن من الدجل أو العبث باسم العلم لا يزال في بدايته يحبو‏,‏ ويحتاج إلى مجهودات عظيمة وإلى مراكز بحث متخصصة وإلى مزيد من الجهد والعمل‏.‏

4- ولاقت الدراسات القرآنية نصيبها من استعمال الحاسوب وبرامجه‏,‏ إلا أن ذلك لا يزال أيضا في بدايته‏,‏ فمثلا خرج علينا أحدهم يدعي وجها جديدا في الإعجاز‏,‏ وهو أن الحروف المقطعة في أوائل السور هي الحروف التي تمثل أكبر نسبة من حروف السورة التي تصدرتها حتى يمكن أن تسمي هذه السورة بها‏,‏ وكأن هذا هو حرفها وهذه حروفها‏,‏ ولكن هل هذه المعلومة التي أوردها صحيحة؟ هذا يحتاج إلى بحث يلتزم في الرسم العثماني‏,‏ لمعرفة صدق تلك الدعوي من كذبها‏;‏ على أن تقوم به جهة ثقة في بحثها وفي دينها‏,‏ تسعي إلى تحصيل الحق ولا تسعى إلى تحصيل الخرافة‏.‏

5- وقامت دعاوى عدة لوجوه متعددة من إعجاز القرآن‏,‏ مثل دعوى الإعجاز الآزائي أي بمقارنة ما ورد في القرآن مع ما كشف من مخطوطات في البحر الميت وفي الجيزة ونجع حمادي‏,‏ وهناك مجهودات تمت لحصر ما كتب عن الدراسات القرآنية‏,‏ كمجهود الدكتورة ابتسام حبوري في العراق‏,‏ ومجهودات عمل معاجم الأدوات والضمائر‏,‏ ومعاجم لحروف المعاني‏,‏ ودراسات حول تلك الحروف‏,‏ كما في دراسة الشيخ عبدالخالق عضيمة التي صدرت في‏11‏ مجلدا‏.‏

6- إننا في حاجة ماسة إلى عمل مكتبات وطنية خاصة بتجميع وثائق القرآن‏,‏ فأين مصحف سيدنا عثمان في سمرقند؟ وأين مصحف سيدنا عثمان في طوب قابو في تركيا؟ وأين مصحفه في مسجد سيدنا الحسين في القاهرة؟‏.‏ أين التقرير الذي أشار إليه الشيخ محمد حميد الله عن المعهد الألماني الذي جمع أربعين ألف نسخة قبل الحرب العالمية الثانية لمقارنتها‏,‏ وشارف على الانتهاء وأصدر تقريرا حول هذا‏,‏ فلم يجدوا إلا فوارق خط النساخ‏,‏ أين هذه الوثائق؟ وكيف نحفظها وندرسها ونتأكد منها؟

7- ولقد قام المسلمون من المستشرقين بدراسات فنية للمصحف‏,‏ كدراسة الصفحة الأولى التي قام بها مارتن لنغ ‏(أبو بكر سراج الدين‏)‏ في لندن‏,‏ أو التي يقوم بها آخرون في الخط العربي ومصحف شعبان وابن مقلة وابن البواب وياقوت المستعصمي‏,‏ ودراسات أحمد مصطفي حول تسديس الخط العربي ونسبته الإلهية الفاضلة‏,‏ إننا في حاجة ماسة إلى بناء خريطة العمل شكلا وموضوعا‏.

8- ومن جانبه قام الدكتور محمد بدر بمجهود كبير حول استخراج ما اسماه المبادئ القرآنية‏:‏ ولاتزر وازرة وزر أخرى‏,‏ عفا الله عما سلف‏,‏ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى‏,‏ وأصدر كتابا تحت عنوان المبادئ القرآنية‏,‏ قبل موته بقليل‏,‏ وهو مبحث بكر يحتاج إلى عمل‏.

9- ودعا رشيد رضا في المنار ومن قبله محمد عبده‏,‏ إلى عمل السنن الإلهية‏,‏ وكتب فيها الصادق عرجون وباقر الصدر وآخرون ولكنها لم تتحول إلى علم حتى الآن‏.

10- وهناك دراسات في لغة القرآن ومقارنتها بلغة الحديث ولغة قبائل العرب المختلفة‏,‏ اعتمادا على الروايات‏,‏ ومازالت في بدايتها تحتاج إلى عمل عظيم من الشباب الباحثين فيها‏.

11- هذه نظرة سريعة إلى الدراسات الإسلامية وما تحتاجه من حفريات حولها‏;‏ هي في حقيقتها حفريات للمعرفة‏.‏

 

الأهرام 17 مارس 2008

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: