الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من مهمات الدين

Dr. Ali- 2

بقلم‏:‏ د‏.‏ علي جمعة

مفتى الديار المصرية

يقول الله سبحانه وتعالى {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله}‏[‏ آل عمران‏:110],‏ وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏,‏ فيما رواه عنه أبو هريرة رضي الله عنه‏”‏ لتأمرون بالمعروف‏,‏ ولتنهون عن المنكر‏,‏ أو ليسلطن الله عليكم شراركم‏,‏ ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لكم‏” [‏ أخرجه البزار والطبراني في معجميه الكبير والأوسط‏],‏ فجعل الله ورسوله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أساسا من أسس الإيمان‏,‏ فهو في غاية الأهمية كما هو ظاهر في القرآن والسنة‏,‏ فبه تقوم المجتمعات ويستقر الأمن ويشيع السلام بين الناس‏,‏ من هنا أيضا جاء حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏,‏ وهو يقول “الدين النصيحة قالوا‏:‏ لمن؟ قال‏:‏ لله ولكتابه ولرسوله والأئمة المسلمين وعامتهم‏” [رواه مسلم‏] ورواه أبو داود بلفظ “إن الدين النصيحة‏,‏ إن الدين النصيحة‏,‏ إن الدين النصيحة قالوا لمن يا رسول الله؟ قال‏:‏ لله وكتابه ورسوله ولأئمة المؤمنين وعامتهم”‏,‏ وأئمة المسلمين وعامتهم فأهم شيء في الدين هو النصيحة‏,‏ والنصيحة تكون لجميع الناس من الحكام والمحكومين‏.  

ولذلك نري علماء المسلمين قد اهتموا بوضع أركان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وشروطه‏,‏ ونلخص ما قالوه في نقاط محددة تميز الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن الرضا بالفساد والسكوت عنه من ناحية‏,‏ وعن التهور والاعتراض الغبي من ناحية أخري‏,‏ وكلاهما مصيبة تضيع الهدف من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتضيع الخير عن الناس.

أولا‏:‏ العلم فالعلم بالحقائق علي ما هي عليه أساس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر‏,‏ فنهي ربنا عن سوء الظن فقال{يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم‏} [‏الحجرات‏:12],‏ وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم”كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع” ‏[رواه الإمام مسلم في مقدمة صحيحه]‏
ثانيا‏:‏ مخالفة الشريعة‏,‏ فلقد حرم الله سبحانه وتعالي الظلم‏,‏ وفي الحديث القدسي قال الله عز وجل‏”يا عبادي‏,‏ إني حرمت الظلم على نفسي‏,‏ وجعلته بينكم محرما‏,‏ فلا تظالموا وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏”اتقوا الظلم‏,‏ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة”[رواهما مسلم‏].  والآيات كثيرة في تحريم الظلم بجميع أنواعه وفي كل المجالات‏,‏ في المجال السياسي والاجتماعي والاقتصادي‏,‏ ومن هنا جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحاكم العادل من أهل الجنة فقال‏”سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله‏:‏ الإمام العادل‏..‏ “الى آخر الحديث‏ [رواه البخاري ومسلم],‏ وقال صلى الله عليه وآله وسلم‏ “ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع الي جنبه وهو يعلم به‏(‏ أخرجه البزار والطبراني‏),‏ وقال‏:‏ ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا‏(‏ رواه الترمذي وغيره‏),‏ وقال المحتكر ملعون‏(‏ الحاكم في المستدرك‏)‏ ونهي عن التلاعب بأقوات الخلق‏,‏ وبين ان الجوع يدعو إلى الرذيلة حتى يدفع الناس إلى المعصية وجعل صلى الله عليه وآله وسلم من رق قلبه وقام بما فرضه الله عليه من واجب سببا لتفريج الكربات في الدنيا والآخرة‏، فحكى لنا قصة الثلاثة الذين حبسوا وراء صخرة‏,‏ فدعوا الله أن يفرج عنهم بأعمالهم الصالحة‏,‏ وكان فيهم من تذكر الله وقام بما فرضه الله عليه من معونة وامتناع عن المعصية‏,‏ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏ “وقال الآخر اللهم إن كنت تعلم أني كنت أحب امرأة من بنات عمي كأشد ما يحب الرجل النساء‏,‏ فقالت‏:‏ لا تنال ذلك منها حتى تعطيها مائة دينار‏,‏ فسعيت فيها حتى جمعتها فلما قعدت بين رجليها قالت‏:‏ اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه فقمت وتركتها فان كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فأفرج عنا فرجة‏,‏ قال ففرج عنه الثلثين‏” [رواه البخاري ومسلم‏]‏ كما حرم الله سبحانه وتعالى الغش قال ـ صلي الله عليه وسلم “من غشنا فليس منا” [صحيح مسلم] وحرم الله سبحانه وتعالى عدم الاهتمام بأمر الناس فقال صلي الله عليه وآله وسلم‏ “الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا أهل الأرض يرحمكم من في السماء‏” [رواه أبو داود والترمذي‏],‏ وقال‏ “من لا يرحم لا يرحم” [رواه البخاري ومسلم‏]‏ وقال‏ “من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم‏” [رواه الطبراني في معجميه الأوسط والصغير] وجعل من علامات الساعة أن يوسد الأمر إلى غير أهله‏,‏ وهنا سنفقد كل تلك المعاني من العلم ومن الإخلاص ومن الهمة‏.

ثالثا‏:‏ إدراك المآلات والأسباب الحقيقية الكامنة‏,‏ وهنا ينبهنا الله سبحانه وتعالى ألا نقف عند مجرد الظواهر‏,‏ قال تعالى {يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون}‏[‏ الروم‏7]‏ وفي حديث الحديبية دروس كثيرة لإدراك المآلات وكيف لم يستجب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقول عمر‏ “لم نقبل الدنية في ديننا” حتى يفك الحصار الذي فرضه المشركون في الجنوب في مكة واليهود في الشمال في خيبر بعد أن اتفقوا على غزو المدينة من الجهتين‏.‏
رابعا‏:‏ أن تخلص النية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فبدون إخلاص النية لله لا أمل في الخلاص من المشكلات قال تعالى {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون} ‏[‏ التوبة‏:105].
 

 

الأهرام 14/ 4/ 2008

 

 

 

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: