تخلية القلب من القبيح

Dr. Ali- 2

بقلم‏:‏ د‏.‏ علي جمعة

مفتى الديار المصرية

إن الله سبحانه وتعالى قد خلق ابن آدم وجعل له قلبا‏,‏ فيقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يعلمنا‏ “إن لله تعالي آنية من أهل الأرض‏,‏ وآنية ربكم قلوب عباده الصالحين‏,‏ وأحبها إليه ألينها وأرقها”‏ [رواه الطبراني عن أبي عنبة‏],‏ ومنع الله بحكمته أنواره عن قلوب بني آدم طالما احتوت على شيء من الصفات الذميمة والتي وضحها سبحانه في قوله‏ {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب} ‏[‏ آل عمران‏:14].

 وقد أمرنا عز وجل أن نزيل الصفات الذميمة من قلوبنا‏,‏ ونخليها لتبقي معلقة به سبحانه لا تتعلق بسواه‏,‏ يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم “سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله‏:‏ إمام عادل‏,‏ وشاب نشأ في عبادة الله‏,‏ ورجل قلبه متعلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه‏..‏” إلى آخر الحديث‏ [متفق عليه واللفظ للبخاري‏].

كما أمر ربنا نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بهذا البلاغ‏,‏ فيبدأ آياته فيقول‏:(‏ قل‏),‏ وقد ذكرها في القرآن أكثر من ثلاثمائة مرة وهو يأمر نبيه بذلك الفعل ليبلغ عنه سبحانه وتعالى ما يريد أن يقوله لعباده‏,‏ دلالة على أن هذا القرآن العظيم من عند الله‏,‏ لم يخترعه محمد صلى الله عليه وآله وسلم ولم يأت به من عند نفسه‏,‏ ولم يزد فيه حرفا ولم ينقص‏,‏ ودلالة على أننا معنيون كذلك ومأمورون بالبلاغ‏,‏ وأن الأمر ليس خاصا برسول الله وحده‏,‏ لكن كذلك بالمؤمنين به وأتباعه وورثته‏,‏ وكل من تلا القرآن مؤمنا به‏,‏ وكأنه نزل الآن إليه من ربه‏,‏ فيقول سبحانه‏ {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين‏} [‏التوبة‏:24],‏ فأرشدنا إلى الخروج عن دائرة الفسق حتى نتعرض لهدايته سبحانه وننال رضاه‏.‏
أيها المؤمن‏,‏ إن بداية الطريق اليقظة‏,‏ فيجب أن تسارع وتستيقظ من غفلتك وتعلم حقيقة الدنيا وأنها إلى زوال‏,‏ وأن تصحح مسيرة قلبك مع الله‏,‏ وأن تبدأ بتخلية قلبك من القبيح استعدادا لملئه بالصحيح‏,‏ وأول ما تبدأ به أن تخرج من قلبك ذلك التعلق بتعظيم الآباء الذين خالفوا الهداية في أفكارهم ونظمهم‏,‏ وكذلك بالأموال وبالعشيرة وبالشهوات‏,‏ وبكل ما سوى الله عز وجل‏.
وليس أن تخرج الدنيا من قلبك ـ كما علمنا الله ورسوله ـ أن تدمرها‏,‏ وألا تقوم فيها بشأن قد أمر فيه الله ونهى‏!‏ بل شأنك فيها ألا يتعلق قلبك بها‏,‏ وألا تكون أحب عندك من الله ورسوله‏,‏ كما أنه ليس معني أن تخرجها من قلبك أن توليها ظهرك‏,‏ فكان من دعاء الصالحين‏:‏ اللهم اجعل الدنيا في أيدينا ولا تجعلها في قلوبنا‏,‏ فيجب أن نجعلها في أيدينا نستعملها لله وفي سبيل الله‏,‏ بحيث لا تؤخرنا عن السعي إلى الله وعن الفعل لله وعن الترك لله‏,‏ فإذا هي أخرتنا إذن فنحن من الخاسرين‏,‏ ولابد من أن نعيد حسابنا مع أنفسنا حتى يكون هذا القلب بيتا لله تدخله ملائكته وأنواره‏,‏ وتتنزل عليه رحماته ونفحاته‏,‏ ويسير أحدنا في حياته الدنيا مباركا من عند الله‏.‏
انخلع أيها الإنسان من نفسك ومن شهواتك ومن دنياك‏,‏ لا بتركها إنما بعدم التعلق بها‏,‏ وهو أمر عظيم يحتاج إلى خطوات‏,‏ وإلي تربية‏,‏ فلابد أن تربي نفسك وتدربها‏,‏ والذي يساعدك على هذه التربية كثرة ذكر الله بالليل والنهار بكرة وأصيلا‏,‏ فعن عبد الله بن بسر رضي الله عنه أن أعرابيا قال لرسول الله صلي الله عليه وسلم‏ “إن شرائع الإسلام قد كثرت علي‏,‏ فأنبئني منها بشيء أتشبث به‏,‏ قال‏:‏ لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله عز وجل‏” [رواه الترمذي في سننه‏].
والتخلية والتحلية التي أمر الله بها من التأمل والتدبر‏,‏ فيقول سبحانه وتعالى {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا‏}[‏ النساء‏:82],‏ ويقول {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون‏}[‏ المجادلة‏:22].‏

ابدأ أيها الإنسان من اليوم بالتخلية‏,‏ وهو أمر ليس بهين‏,‏ لأنه يحتاج إلى مراقبة النفس‏,‏ ويحتاج إلى معرفة المفاهيم الصحيحة‏,‏ ويحتاج إلى كثرة ذكر الله‏,‏ ويحتاج أن تجعل لنفسك حصة من القرآن‏,‏ وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يكثر على صحابته من قوله‏ “جددوا إيمانكم‏,‏ قيل‏:‏ يا رسول الله وكيف نجدد إيماننا؟ قال‏:‏ أكثروا من قول لا إله إلا الله” ‏[رواه أحمد في مسنده عن أبي هريرة‏].‏ ابدأ في نقل نفسك من دائرة سخطه إلى دائرة رضاه‏,‏ ولا تستقل هذا العمل‏,‏ فإنك إن فعلت ذلك نور الله قلبك وفتح عليك فتوح العارفين به‏,‏ وأرشدك الصواب وعلمك ما الخطأ‏,‏ وجعل لك فرقانا‏,‏ ووقاك وكفاك وهداك‏,‏ فاللهم ياربنا اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه‏.‏

الأهرام 21 أبريل 2008 

رد واحد

  1. مااحاىواعظم النفع بمثل هذا الكلامعلى القلوب وانفعها للا نسان المسلم وجزاه عنا خير الجزاء

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: