روح الشريعة الأدب

Dr. Ali- 2

بقلم‏:‏ د‏.‏ علي جمعة

مفتى الديار المصرية

إن روح الشريعة الأدب مع الله ومع النفس ومع الناس‏,‏ وافتقد المسلمون كثيرا من الأدب‏,‏ وصارت عندهم العبادة عادة‏,‏ وتخلوا عن القيم والأخلاق التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم‏‏ “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق‏” (‏ رواه البيهقي في الكبرى‏),‏ وهو الذي وصفه ربه فقال‏ {وإنك لعلى خلق عظيم} ‏[القلم‏:4].

تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين لنا أصول الأدب في أحاديث أربعة‏..‏ أولها‏: “من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه” ‏[رواه مالك في موطئه‏],‏ وثانيها‏:‏ “لا تغضب ولك الجنة” [أخرجه الطبراني في معجمه‏],‏ وثالثها‏:‏ “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه” ‏[البخاري‏],‏ ورابعها‏:‏ “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت‏” [البخاري‏],‏ يقول أبو زيد القيرواني رضي الله تعالى عنه وهو من أئمة المالكية‏:‏ هذه الأربعة هي أصول الأدب‏.

هذه الأربعة هي أسس الخير والأدب‏,‏ إذا تخلق بها المسلم كان مسلما حقا‏,‏ نري فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ربط الأدب بالعقيدة وقد فعل العقيدة في حياتنا وفي واقعنا وسلوكنا اليومي‏,‏ وفعل العقيدة في نفوسنا وداخلنا حتى نسيطر علي أنفسنا لله رب العالمين‏.

انظر إلى نفسك وقد استغنيت عن اللغو وفضول الكلام‏,‏ وقد استغنيت عن تضييع الأوقات‏,‏ وقد استغنيت عن كل فعل باطل‏.‏ ربط رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا بحسن الإسلام ـ على الرغم من أنه من حسن الحياة والمعيشة ـ فلم يقل من حسن حياة أحدكم أو معاش أحدكم بل جعله من أصل الدين لأن هذا المؤدب سيكون قد توكل علي الله وهذا المؤدب سيكون في قلبه رضا لله وعن الله {رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه‏} [البينة‏:8].‏

وهذا أدب عال‏,‏ لا نراه في حياتنا حيث يتصدر كل إنسان في غير موضعه وعمله‏,‏ فيهرف بما لا يعرف‏,‏ ويتكلم بما لا يتقن‏,‏ وكل ذلك محسوب عليه لا له‏,‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “كلام ابن آدم عليه لا له إلا أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو ذكر الله” ‏[أخرجه الترمذي في سننه‏].‏وإذا أنت فعلت هذا فإن الناس لا يتركونك‏,‏ ولكن يستفزونك ليخرجوك عن ذلك الخلق‏,‏ فيأتي الحديث الثاني‏,‏ ويربط عدم الغضب بالجنة‏,‏ والغضب حجاب وحائل على ذهن الإنسان يمنعه من التفكر الصحيح ومن التدبر‏,‏ ومن اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب‏,‏ والغضب يجعل الإنسان يتهور في حياته‏,‏ والغضب يجعل الإنسان غير راض عن الله‏,‏ وربنا سبحانه وتعالى يستحق منا الرضا‏,‏ فهو الذي خلق وهو الذي أمر وهو الذي من أسمائه الصبور‏,‏ والله سبحانه وتعالى يعلمنا علي لسان نبينا بل والأنبياء من قبله‏ {فصبر جميل والله المستعان علي ما تصفون} ‏[يوسف‏:18],‏ هذا الهدوء النفسي يجعلك أكثر قدرة على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب والتصرف السليم الصحيح في الوقت المليح‏.

 

فالأدب كما ترون يكون مع النفس‏,‏ ويكون مع الله سبحانه وتعالى‏,‏ ويكون مع الخلق‏,‏ لكنك لا تستطيع أن تكون مؤدبا مع الله إلا إذا وصلت إلى الرضا والتسليم‏,‏ ووصلت إلى التوكل الحق عليه سبحانه‏,‏ والرضا والتسليم بقضائه وقدره‏,‏ والتوكل عليه فيما يكون من الأيام لا يكون إذا غضبت‏;‏ لأنك تكون قد نسيت ربك‏,‏ ولأنك تكون في حالة قد رأيت فيها نفسك‏,‏ ولأنك لا تستطيع حينئذ أن تسيطر عليها ولا أن تأمرها بما أمرك الله به‏,‏ ولا أن تقف عند حدود ما نهاك الله عنه‏, “لا تغضب‏”‏ ليس معناه ألا يرد الغضب على قلبك‏,‏ إنما معناه ألا يسيطر الغضب عليك‏ “ليس الشديد بالصرعة‏”‏ ـ الذي يصرع الناس بجسده القوي وبنيانه المتين ـ “إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب” [البخاري‏],‏ لا يكون في كون الله إلا ما أراد‏,‏ فعلام تغضب؟‏!‏ هذا الذي غضبت منه ـ أو له ـ إنما هو بقدر الله‏..‏

ويأتي الحديث الثالث حتى تتعدي بخيرك إلى الآخرين‏,‏ وهذه قد افتقدناها فقامت في قلوبنا أنانية‏,‏ نري أنفسنا ولا نري الناس‏,‏ ولا يهمنا أن نحمل في قلوبنا همهم‏,‏ ولا يهمنا أن نحمل في قلوبنا مصالحهم‏,‏ وهذه مصيبة كبري‏,‏ تفتت الأمة التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم‏ “لينوا في أيدي إخوانكم” [مسند الإمام أحمد‏],‏ والتي أمرنا حينما نقوم إلى الصلاة لرب العالمين أن نصطف صفا واحدا يشير إلى قلب واحد‏.

ويأتي الحديث الرابع ليتمم منابع الخير وأساس الأدب‏,‏ لنخلي ألسنتنا وأقوالنا وأفعالنا من الكذب والغيبة والنميمة والبهتان وشهادة الزور ومن اللغو‏,‏ إذن فقد أصبحت معتمدا للخير‏,‏ تعود الناس أنك لا تقول إلا حقا‏,‏ تعود الناس أنك لا تقول الباطل‏,‏ تعود الناس أنك إذا تكلمت فإنما تأمر بالمعروف أو تنهى عن المنكر‏,‏ تعود الناس أنك إنما تأمر بالخير‏ {وافعلوا الخير لعلكم تفلحون‏} [الحج‏:77].‏

أيها المسلم‏..‏ ارجع مرة ثانية إلى أدب الإسلام‏;‏ فإن الإسلام كله حلاوة‏,‏ وعليه طلاوة يأمر بالنظافة وبالمعروف وبالجمال‏,‏ وينهي عن القبح وقلة الحياء وقلة الأدب‏.أحاديث أربعة يجعلها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نبراسا في طريقنا إلى الله‏,‏ وفي طريقنا إلى الحق‏,‏ وفي طريقنا في الدنيا‏,‏ فاجعلوها نبراسا لكم‏,‏ ودربوا أنفسكم عليها.

 


الأهرام 19 مايو 2008

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: