التــــــوبة

Dr. Ali- 2

بقلم‏:‏ د‏.‏ علي جمعة

مفتى الديار المصرية

إن الله ـ سبحانه وتعالي ـ اختارنا أمة للرسالة‏,‏ وجعلنا خير أمة أخرجنا للناس‏,‏ إن نحن فهمنا عن الله مراده‏,‏ وعن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ رسالته‏,‏ وإن نحن كنا على قدم يرضي فيها الله عنا‏,‏ حتى نكون هداية للعالمين ولا نكون فتنة للناس‏.‏

وأرشدنا الله ـ تعالى ـ إلي التوبة‏,‏ والتوبة عادة كلمة إذا ما سمعها المؤمن اختزل معناها وجعلها خاصة بارتكاب المعاصي‏,‏ وجعلها أمرا غيبيا يتعلق باليوم الآخر‏,‏ والتوبة أعظم من ذلك‏!‏ تشمل هذا وتزيد عليه‏,‏ فالتوبة حالة نقد ذاتي‏.‏ حالة من مراجعة النفس‏..‏ حالة من الرقابة الإدارية‏.‏

فإذا ما سمعنا هذه الألفاظ‏:‏ النقد الذاتي‏,‏ ومراجعة النفس‏,‏ ومحاولة الرقابة والإدارة‏,‏ ولأنها ألفاظ قد أتتنا من الغير فإننا نفهمها علي وجهها‏,‏ حيثما امتلأت مناهج تعليمنا بها‏,‏ وإذا سمعنا التوبة اختر لنا معناها إلي معني ضيق هو‏:‏ الإقلاع عن معاصي بعينها‏..!‏ والأمر ليس كذلك‏,‏ يقول رسول الله المصطفي الحبيب والمجتبي المعصوم سيد الكائنات‏:(‏ والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة‏)‏ صحيح مسلم‏,‏ فهل كان يتوب عن معصية يرتكبها؟ أو عن كبيرة يقع فيها؟ حاشاه‏..‏ فمن أي ذنب كان يتوب صلى الله عليه وسلم؟‏.

ولكنها كانت نقد ذاتي‏..‏ مراجعة‏..‏ محاسبة لعمل اليوم‏:‏ ما الذي قصرنا فيه؟ ما الذي كان في ذمتنا فلم نفعله لله؟ ما الذي كان ينبغي أن يتم علي وجه هو أحسن من ذلك وأجدي؟

التوبة في اللغة‏:‏ الرجوع‏,‏ تاب إليه أي‏:‏ رجع إليه‏,‏ ومنها المراجعة‏,‏ ومنها المراقبة‏,‏ ومنها المحاسبة علي حد ما قال سيدنا عمر ـ رضي الله عنه ـ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وتزينوا للعرض الأكبر وإنما يخف الحساب يوم القيامة علي من حاسب نفسه في الدنيا‏ (‏رواه الحاكم في المستدرك‏).‏

التوبة لو فهمناها لأدخلناها عنصرا من عناصر الإدارة‏,‏ وعنصرا أساسيا في الاقتصاد الذي يجري بين الناس وعنصرا أساسيا في الحكم‏,‏ وعنصرا أساسيا في السياسة خارجيها وداخليها‏.‏

التوبة معني عظيم‏,‏ ودلالتنا علي المعني الصحيح الواسع الذي أراده الله ليس معناها أن فهمك المحدود للتوبة محض خطأ‏,‏ بل هو عجز وقصور‏,‏ فإنك إذا ما أذنبت ذنبا وجبت عليك التوبة‏,‏ فـ‏(‏كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون‏)‏ رواه الترمذي في سننه‏,‏ فكما علمنا سيدنا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنك إن فعلت ذنبا‏,‏ وجب عليك أن تقلع عنه‏,‏ وأن تظهر الندم عليه‏,‏ وأن تعزم ألا تعود لمثله أبدا‏,‏ ثم بعد ذلك إن كان متعلقا بحقوق العباد أن ترد إلي العباد حقوقهم‏,‏ وإن كان متعلقا بالله ـ والله كريم ـ فإن الله يسامحك ويغفر لك قطعا عند كثير من علماء الأمة‏.‏

والتوبة ينتج عنها المراجعة‏,‏ ولما أن فرغنا التوبة من معناها الدنيوي وقصرناها على غيب الآخرة فسر المفسرون قوله تعالي‏:‏ يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى‏ [‏هود‏:3]‏ أي‏:‏ إلى مدة حياتكم‏,‏ ولكننا إن أرجعنا لها المعني الواسع‏,‏ فيظهر لنا ضرورة المراجعة الدائمة‏,‏ لأن فن المراجعة وسنة الله ـ سبحانه وتعالى ـ فيه أن يستمر ذلك دائما‏,‏ ويرشدنا سيد الخلق ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلي أن نفعل ذلك كل يوم‏,‏ فالله يصحح علينا أعمالنا ويحفظ علينا نظامنا وييسر لنا أفعالنا إلي أجل مسمي‏,‏ لابد بعده ـ قصر أو طال ـ من مراجعة أخري‏..,‏ ومن توبة ثانية‏..,‏ من بعد توبة‏..‏

واعلم أيها المسلم أن الله علي كل شيء قدير يصلح الحال إذا ما نفذنا هذا‏,‏ ولا يكفي واحدا فينا أن يفعل ذلك حتى يتغير المجتمع أو تصحو الأمة وتوبوا إلي الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون‏[‏النور‏:31]‏ إذا أردت أن تكون واحدا من أمة وتريد لهذه الأمة أن تتقدم البشر وأن تقوم برسالتها وأن تكون لها العزة والكرامة فعليك أن تفعل ذلك وأن تأمر غيرك به‏,‏ فواحد لا يكفي‏,‏ ومن تاب منكم علي مستواه بارك الله له في حياته وجعله مفلحا فيها ولا نري أثر ذلك في الأمة إلا إذا تحرك جمع منا يتوب إلى الله فينصر الله به الأمة‏.‏

ويقول ربنا ـ سبحانه وتعالي ـ يا أيها الذين آمنوا توبوا إلي الله توبة نصوحا‏[‏التحريم‏:8],‏ ونصوحا من النصح‏,‏ وهنا يقول ـ صلي الله عليه وسلم‏:(‏ الدين النصيحة‏)‏ صحيح مسلم‏,‏ ونفهم نحن نصوحا على أنها توبة صادقة‏,‏ ولكن لو تعمقنا في النون والصاد والحاء في النصح‏,‏ لوجدنا أن النصح هذا له أركانه وله شروطه‏,‏ ومنها أن نكون مجتمعا يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر‏,‏ عن صواب ووعي وإخلاص‏.‏

هذه خلاصة النصيحة‏..‏ فإذا عرفنا ذلك عرفنا أن توبتنا ينبغي أن تتصف بتلك الصفات‏:‏ أن تكون لله‏,‏ وأن تكون صادقة‏,‏ وأن تكون فيها همة‏,‏ وهذه الهمة إنما هي لتغيير أحوالنا إلى أحسن حال ـ كما يريد الله عز وجل ـ في جانبيها‏:‏ في جانب الشهادة وفي جانب الغيب‏,‏ لأنه سبحانه وتعالي عالم الغيب والشهادة‏,‏ وبيده الملك والملكوت‏,‏ وهو رب الدنيا والآخرة‏,‏ فالاختزال بتر لمراد الله من أوامره وإرشاداته‏..!‏ ونحن نأمر أن يعود الأمر إلي الأمر الأول‏,‏ لا أن نهتم بدنيانا ونترك آخرتنا‏,‏ ولا أن نهتم بآخرتنا ونترك دنيانا‏,‏ ولكن علينا أن نفهم عن الله مراده كما أراد‏.‏

 

 

الأهرام 9 يونيو 2008

 

 

Advertisements

رد واحد

  1. اللهم اجعلنا من التوابين الأوابين و ارحمنا و ارحم شيخنا الدكتور القيم المستقيم و المنارة التي تنير لنا جميع دروب حياتنا “الله يفتح عليك يا شيخنا الكريم”

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: