لا يفتننكم الشيطان

Dr. Ali- 2

بقلم‏:‏ د‏.‏ علي جمعة

مفتى الديار المصرية

 

قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} ‏[آل عمران‏:102],‏ وقال‏:‏ {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا‏} [النساء‏:1],‏ وقال‏ {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا‏*‏ يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما}‏‏ [الأحزاب‏:70‏ ـ‏71].
هذه الآيات البينات التي تدعونا إلى التقوى‏,‏ وتدعونا إلى الصلاح والخير‏,‏ وتدعونا إلى حمل الدعوة إلى الناس‏;‏ مسلمهم وكافرهم‏,‏ مؤمنهم ومفسدهم‏..‏ نراها في قوله تعالى‏: {يا أيها الناس‏} وقوله‏:‏ {يا بني آدم} فإذا به يخاطب الجميع‏,‏ يخاطب أمة الدعوة‏;‏ فكل من على وجه الأرض من أمة دعوة المسلمين‏,‏ فالإسلام نسق مفتوح لا يعرف الانغلاق‏,‏ وهو أيضا نسق عالمي لا يعرف الجنسية والعرق‏…;‏ إنما هو أمة عبر الزمان والمكان‏,‏ وربنا سبحانه وتعالى يعلمنا كيف ندعوه ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب‏[‏ آل عمران‏:8].‏

وزيغ القلوب الذي نستعيذ بالله منه‏:‏ له عناصر ومكونات‏;‏ أولها الوقوع في الفتنة‏,‏ التي اندرج فيها العالم اليوم على مستوى الأمم‏,‏ وعلى مستوي الأفكار‏,‏ وعلى مستوى التوجهات‏,‏ وعلى مستوى المسلمين في داخلهم وعلاقتهم مع رب العالمين‏..‏

الفتنة أمرنا الله سبحانه وتعالى أن نتقيها‏,‏ فقال‏:‏ {والفتنة أشد من القتل} ‏[البقرة‏:191],‏ وقال‏:‏ {والفتنة أكبر من القتل} ‏[البقرة‏:217],‏ وقال‏:‏ {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله}
‏[آل عمران‏:7].

فما الفتنة إذن؟ الفتنة معصية وجهل مركب‏,‏ وعلم منسي ضائع‏,‏ وحواس منتكسة‏,‏ وفرح بالأدنى ونفرة عن الحق وميل للباطل‏..‏ ويقول ربنا سبحانه‏:‏ {يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة}‏‏ [الأعراف‏:27],‏ الفتنة تؤدي إلى عدم دخول الجنة‏;‏ فالفتنة قد أدت إلى الخروج منها‏,‏ ولما قص الله علينا قصة آدم لم يقصها عفوا ليريهما سوءاتهما‏ [الأعراف‏:27],‏ أول فتنة كانت فتنة العري والقبح الذي وجهه الشيطان إلى ابن آدم‏,‏ وهو يراك عاريا ويعلم فتنتك {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة‏} [آل عمران‏:14],‏ {إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون‏*‏ وإذا فعلوا فاحشة‏…} [الأعراف‏:27‏ ـ‏28].

والفاحشة تندرج تحتها الشهوات‏..‏ ويندرج تحتها السب والقذف‏,‏ والغيبة والنميمة‏,‏ ويندرج تحتها أيضا هذا المنهج الكذب الذي سيطر على عقول الناس فحرفهم عن العقيدة الصحيحة‏,‏ والذي جعلهم يحرفون الكتب السماوية التي أنزلها الله سبحانه وتعالى من عنده‏,‏ والذي جعلهم يكذبون بنبينا صلى الله عليه وسلم‏,‏ وهو خير الخلق‏,‏ والذي جعلهم يستعلون على الناس في الشرق والغرب‏,‏ ويكذبون على أنفسهم حتى صدقوها‏..!‏ كل ذلك تحت كلمة (فاحشة‏),‏ والناس أمامها على قسمين‏:‏ قسم مقلد‏,‏ وقسم يعتقد‏..‏ وإنا لله وإنا إليه راجعون‏;‏ فقد أنكر الله عليهما معا.


{وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون‏*‏ قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون‏*‏ فريقا هدي وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون‏ [الأعراف‏:28‏ ـ‏30],‏ وهو بذلك يصف واقعنا على مستوي الأفراد‏.
ونحن لا نريد فتنة في الأرض‏..‏ نحن نريد صلاحا‏,‏ ونريد أن نحجز الناس عن النار‏,‏ وأن نحجزهم عن أن يذهبوا للجحيم في الدنيا والآخرة‏..‏ نحن ندعو الناس إلى سعادة الدارين‏,‏ ندعو مسلمهم وكافرهم إلى أن يتوبوا إلى الله سبحانه وتعالى‏.

قال تعالى‏ {واصبر وما صبرك إلا بالله} ‏[النحل‏:127] فاصبر واحتسب ولا تتزحزح عن إيمانك‏,‏ والنبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ “إن المسلم إذا كان يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من المسلم الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم” ‏[أخرجه الترمذي في سننه‏],‏ لابد عليك من الصبر‏,‏ ولا تجعل فتنة الناس كعذاب الله‏..!‏ دم على الخير‏..‏ بلغ دينك‏..‏ علم أبناءك حب رسول الله صلى الله عليه وسلم‏..‏ علموا الناس القرآن‏..‏ أخرجوهم من البطالة والعطالة والأمية‏.‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏: “أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل” ‏[صحيح مسلم‏],‏ فاستمر على الإيمان ودم عليه {يا أيها الذين آمنوا آمنوا‏…} [النساء‏:136],‏ قال العلماء‏:‏ يعني استمروا على الإيمان‏,‏ ولا يصدنكم عنه أي شيء من فتنة عمياء صماء‏,‏ ولا يصدنكم عنه شيء من فتنة الدنيا‏;‏ لأن فتنة الآخرة أشد وأبقى‏.‏ {ذلك يخوف الله به عباده يا عباد فاتقون} ‏[الزمر‏:16].

 

الأهرام 26 مايو 2008

 

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: