هذا الميراث ونحن ورثته‏..!‏

Dr. Ali- 2

بقلم‏:‏ د‏.‏ علي جمعة

مفتى الديار المصرية


 أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عما سيكون‏,‏ وصدق رسول الله‏,‏ وهذه الأحداث التي نمر بها تؤكد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم علي مر القرون وكر الدهور‏,‏ ووصف لنا كيف نخرج منها‏..‏ فوصف لنا الداء والدواء‏,‏ فتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك‏..‏ وصف المؤمن فقال‏:(‏وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه‏,‏ مقبلا علي شأنه‏,‏ حافظا للسانه‏,‏ ومن حسب كلامه من عمله‏,‏ قل كلامه إلا فيما يعنيه‏)(‏ مسند ابن حبان‏)..‏

أمرنا أن ندرك ما حولنا من الأحداث‏..‏ أمرنا أن نقايسها على ما عند الله سبحانه وتعالى‏..‏ أمرنا أن نبدأ من جديد فنجدد ديننا الذي ارتضاه ربنا لنا‏,‏ وأن نتبع أوامره ونجتنب نواهيه‏,‏ وأن نعيد الكرة هداية للعالمين‏..‏
 

وبشرنا فقال‏:(‏بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا فطوبي للغرباء‏) (‏صحيح مسلم‏)‏ أحببنا الدنيا وتمسكنا بها‏,‏ وحرصنا على المال والأولاد والأنفس‏,‏ وكل ذلك لا يؤثر في الناس‏,‏ فأصبح المسلمون أكثر الناس عددا‏,‏ حتى دخلوا في موسوعات الأرقام القياسية منذ سنة‏1990‏ لكنهم تفرقوا شذر مذر‏..‏

العالم من حولنا يتدين ونحن وكأننا نخرج من ديننا‏!!‏ بدأ الناس في العالم كله يرجعون إلى أديانهم‏,‏ ويتدينون ويفتخرون بها‏.‏ فما بال أقوام من جلدتنا ولا يفتخرون بدينهم وشرعتهم‏,‏ وكأن الإعلان عن الإسلام معرة‏!!‏ وهو دين الحق ولا يقبل الله سبحانه وتعالى من الناس سواه‏..‏ وهو دين الفطرة ولو كره الكافرون‏..‏ ولو كره المشركون‏.‏
العالم كله يتصالح ونحن الذين ترك فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ميراثه والذي يقول‏: (‏ولا تختلفوا‏,‏ فتختلف قلوبكم‏) (‏البخاري‏),‏ والذي يقول‏: (‏إنما جعل الإمام ليؤتم به‏) (‏البخاري‏),‏ وجعل عنوانا لنا في الصلاة إماما واحدا يأتمر المصلون كلهم بأمره‏,‏ فإذا كبر فيركعون‏,‏ وإذا سمع فيرفعون‏,‏ وإذا سجد يسجدون‏..‏ إشارة إلى وحدة الأمة وتفاعل الحاكم مع المحكوم‏,‏ والإمام مع الرعية‏..(‏ كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته‏)  (‏البخاري‏).‏

كل العالم يتكتل‏,‏ ونحن على الخريطة في وسط تكتلات نعيش شذر مذر من غير وحدة‏,‏ ومن غير تعاون‏,‏ ومن غير تكاتف‏,‏ ومن غير‏…
ماذا ترك لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نبدأ من جديد من غير إحباط ولا يأس؟ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يفسر لنا قوله تعالى‏: (‏إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم‏)[‏ الرعد‏:11]‏ ابدأ بنفسك‏..‏ غير نفسك‏..‏ علق قلبك بربك‏..‏ علم طفلك‏..‏ وستجد دستور تربية الطفل في القرآن‏..‏ تراه في وصية لقمان‏..‏ ضع هذه الوصية أمامك‏,‏ واستخرج منها كيف تعلم طفلك العلم‏,‏ وكيف تعلم طفلك العقيدة‏,‏ وكيف تعلم طفلك المسئولية‏,‏ وكيف تعلم طفلك ذلك المسلم الذي لا يولي الأدبار‏..‏ ذلك المسلم الذي سوف يحمل الدعوة إلى العالمين‏..‏ ذلك المسلم الذي لن يتخلي عن بلاده وناسه ودينه بمجرد شهوة الدنيا‏..‏ ذلك المسلم الذي يتعلق قلبه بالله رب العالمين‏..‏ فيدعوه فيستجيب‏.‏
قال تعالى‏: (‏ولقد آتينا لقمان الحكمة‏)[‏ لقمان‏:12]‏ ـ وتعرفون‏ (‏ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب‏)[‏ البقرة‏:269]‏ ـ‏(‏أن اشكر لي ولوالديك‏)[‏ لقمان‏:14]‏ ـ أن اشكر لله‏(‏ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد‏)[‏ لقمان‏:12]‏ ـ‏(‏وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم‏.‏ ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا علي وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير‏,‏ وإن جاهداك علي أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون‏.‏ يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير‏.‏ يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر علي ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير‏)[‏ لقمان‏:13‏ ـ‏19]‏ وصية في كيفية الحياة في الخلق القويم‏,(‏ فإن أعطيت شيئا ـ أو قال‏:‏ خيرا ـ فلير عليك وابدأ بمن تعول‏) (‏مجمع الزوائد‏)‏ ابدأ بنفسك ثم بمن تعول‏..‏ تدبر الآيات والتي يقول فيها ربنا‏:‏ اقصد في مشيك أي اجعل هدفك في الحياة واضحا‏,‏ اقصد في مشيك أي اجعل لك مقصدا‏..‏ لا أن تعبث ولا أن تلهو‏,‏ ينبغي عليك ألا تسير في هذه الحياة بدون هدف‏..‏ اجعل لك هدفا‏,‏ واسع في هدفك‏,‏ ليس معناها أن تقصد من مشيك‏,‏ بل قد أمرك بالمشي‏,‏ وأمرك في المشي أن يكون لك هدف‏.‏
تدبروا علي مستوي الحرف مقاصد ربنا في وصيتنا لتدبير أطفالنا‏,‏ واشتغلوا بهذا التدبر بعد أن تلتفتوا إلي أنفسكم بقدر المستطاع‏,‏ نريد أيها المسلمون أن يؤلف الله بين قلوبنا مرة ثانية‏,‏ فلنبدأ بتربية الأطفال‏,‏ ولنبدأ بتغيير النفس‏,‏ ولنبدأ بإحداث التوازن في حياتنا استعدادا لما هو قادم من الأيام‏.‏
 

الأهرام 2 يونيو 2008

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: