عبـاد الرحـمن

Dr. Ali- 2

بقلم‏:‏ د‏.‏ علي جمعة

مفتى الديار المصرية

الله سبحانه وتعالي هو الذي أرسل رسوله بالهدي ودين الحق ليظهره علي الدين كله ولو كره المشركون‏[‏ التوبة‏:33]‏ فحملنا الرسالة‏..‏ فما هي صفات عباد الرحمن الذين حملوها؟ وما هو جوهر الرسالة التي كلفنا بأن نحملها إلي العالمين؟ربنا يتكلم عن حزب الله وعن حزب الشيطان‏..‏ وعن حزب الرحمن وعن حزب الأبالسة‏;‏ يقول في أولئك الذين رفعوا عبادة الله مقامها‏..‏ يقول في أولئك الذين عمروا الأرض كما أراد الله وعلي مراد الله‏:‏ وعباد الرحمن‏[‏ الفرقان‏:63],‏ وهم كما قال ابن عباس رضي الله عنهما‏:‏ خواص الرحمن‏;‏ نسبهم إلي اسمه‏(‏ الرحمن‏)‏ وخصهم به‏,‏ وبه وبنوره يمشون في الناس‏,‏ فهم أعرف الناس بالحق وأرحمهم بالخلق‏,‏ هم الراحمون يرحمهم الرحمن ويعاملون من في الأرض بالرحمة‏,‏ وهم السائرون علي قدم نبيهم صلي الله عليه وسلم الذي أرسله ربه رحمة للعالمين‏..‏ عرفنا ربنا جل جلاله بصفاتهم التي بها تحققوا‏,‏ وفيها ارتقوا حتى نعرفهم وأمرنا فقال‏:‏ واتبع سبيل من أناب إلي‏[‏ لقمان‏:15],‏ عدد لهم خمس عشرة صفة إلي نهاية سورة الفرقان‏,‏ تأملها أيها المسلم وتخلق بها حتى تكون عبدا ربانيا رحمانيا قادرا علي تحمل الدعوة للعالمين‏,‏ حتى تكون مرضيا عنك من رب العالمين‏,‏ حتى تكون حقيقا بأن تمد يدك إلى السماء‏:‏ يا رب يا رب‏;‏ فيستجيب الله لك‏..‏
وعباد الرحمن الذين يمشون علي الأرض هونا‏..[‏ الفرقان‏:63]‏ لا يمشون علي الأرض طغيانا وتجبرا‏,‏ ولكن مشيهم بالسكينة والوقار‏,‏ والتواضع والخشية‏..‏ يمشون علي الأرض وهم يدركون أنها تسبح لله‏,‏ يمشون علي الأرض وفي قلوبهم حب لعباد الله الإنسان قبل الحيوان‏,‏ والحيوان قبل الأكوان يمشون علي الأرض هونا تترقرق الرحمة في قلوبهم‏,‏ يتعاملون مع الكون وكأنه حي مدرك‏,‏ ويتعاملون معه برفق‏.‏

عبد من عباد الرحمن‏;‏ يمشي علي الأرض هونا‏,‏ ويعتذر لخلق الله‏,‏ ويقدر حالهم من الجهل والجهالة وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما‏[‏ الفرقان‏:63]‏ يسلمون من الناس‏,‏ ويسلم الناس منهم بصبرهم وحلمهم‏;‏ فلا يعتدون عليهم بمثل ما يعتدي عليهم بل إنهم يصبرون لله وبالله‏,‏ وفي أواخر السورة يبين الله لنا أجر الصابرين وجزاء من تحمل ألم الصبر‏,‏ يصبرون لله رب العالمين وهم قادرون علي الرد‏,‏ وقادرون علي رد العدوان بالعدوان‏,‏ بل إنه قد أبيح لهم ذلك‏,‏ ولكن الله رقي حالهم‏,‏ وجعل الصبر أحلي وأعلي وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما‏[‏ الفرقان‏:63],‏ خاطبوهم بالجهل بشأنهم وما هم عليه‏,‏ أو بالجهالة عليهم والتطاول في الخطاب‏,‏ إلا أنهم لا يواجهونهم إلا بالسلام‏,‏ فالقول السلام يشمل الفعل السلام‏,‏ فهم‏-‏ رحمة بهم‏-‏ يحلمون عليهم‏,‏ وكأنهم يسدون عليهم موارد الفساد‏,‏ وكأنهم يسدون عليهم موارد النزاع والخصام‏;‏ فإن النزاع والخصام لا يكون معهما استقرار‏,‏ وإذا لم يكن هناك استقرار لا يكون هناك أمن‏,‏ وإذا كان هناك اضطراب وانعدام أمن فإن الإيمان في خطر‏,‏ يفهم المؤمن ذلك عن ربه في طول القرآن وعرضه‏,‏ ويقول لمن سابه أو لاعنه أو تفاحش عليه من خلق الله مسلمهم وكافرهم‏-‏ وقد رأي الجهالة في تصرفه ورأي الخروج عن دائرة المعقول في فعله وسلوكه‏-‏ سلاما يدعوه ويذكره بالسلام‏,‏ وهو اسم من أسماء الله تعالي‏..‏

وقال تعالي‏:‏ والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما‏[‏ الفرقان‏:64]‏ يعلمون أنه‏(‏ يتنزل ربنا تبارك وتعالي كل ليلة إلي سماء الدنيا حين يبقي ثلث الليل الآخر‏,‏ فيقول‏:‏ من يدعوني فأستجيب له‏,‏ من يسألني فأعطيه‏,‏ من يستغفرني فأغفر له‏)(‏ البخاري‏)..‏

في ثلث الليل الأخير منحة إلهية‏,‏ ونفحة صمدانية‏,‏ حالة ربانية يستجيب الله للدعاء فيها‏,‏ وما معني في ثلث الليل الأخير؟ معناه أنه قد هجر فراشه لله‏,‏ وترك لذته لله‏,‏ وأن حب الله في قلبه أعلي وأجلي وأكثر وأرجح من حب الحياة الدنيا‏..‏

من هذا شأنه كان قادرا علي تحمل أعباء الرسالة إلي العالمين‏,‏ ومن ضبط نفسه هكذا حال الغضب مع الآخرين فقد عرف دوره في الحياة الدنيا‏,‏ وعرف معني عالمية الإسلام وأدرك معني الدعوة ومعني تبليغها‏:‏ إنه ناصح صافي السريرة يعرف كيف يفهم عن ربه ما يقول له‏,‏ ويعرف كيف يخاطبه‏..‏ والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما‏[‏ الفرقان‏:65],‏ فيه غرم وضياع وهلاك لازم ثابت‏..‏ إن عذابها كان غراما‏,‏ إنها ساءت مستقرا ومقاما‏[‏ الفرقان‏:65-66],‏ تذكروا أنه يستعيذ من عذاب الله وعقابه وسخطه‏,‏ ويري في هذه جهنم‏,‏ ويري أنها ساءت مستقرا ومقاما‏,‏ في مقابلتها الجنة ورضا الله حسنت مستقرا ومقاما‏[‏ الفرقان‏:76]‏ كما سنري في آخر السورة‏,‏ هذا هو سخط الله وهذا هو رضوان الله والعاقل عليه أن يختار‏,‏ ولذلك كان الكفار ضالين إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا‏[‏ الفرقان‏:44],‏ وإنه ليس من العقل أن يختار الإنسان سخط ربه علي رضوانه‏,‏ ولا ناره علي جنته‏,‏ ولا عذابه علي ثوابه‏,‏ هو غافل والكفار كذلك في غفلة عن ربهم وحجاب‏..;‏ في غمرة ساهون‏[‏ الذاريات‏:11].‏

ومهمة المسلم الذي هو من عباد الرحمن أن يزيل الحجاب بين الإنسان وبين ربه‏,‏ وأن يدل ويرشد والهداية بيد الله‏;‏ إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء‏[‏ االقصص‏:56].(‏ يتبع‏)‏
 

 

 

الأهرام 23 يونيو 2008

 

رد واحد

  1. طب اعمل اية يا شيخنا الجلييل ,, والله بحبك فى الله ,,

    ما شاء الله مقالات رائعة و حضرتك شخصية نفسى اشوفك ابوس راسك والله ,

    ربنا يعز المسلمين دايما بى شخصية زى حضرتك من الناس المحترمة العاقلة الفاهمة لى امور دينها و ترشدنا ديما بفضل الله الى الصواب

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: