عبـاد الرحمـن‏(2)‏

Dr. Ali- 2

بقلم‏:‏ د‏.‏ علي جمعة

مفتى الديار المصرية

نستكمل حديثنا مع صفات عباد الرحمن التي بدأناها الأسبوع الماضي‏,‏ فيقول سبحانه وتعالي‏:‏ والذين لا  يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم قتلها إلا بالحق‏,[‏ الفرقان‏:68],‏ فهم يقتلون إنما عندما يكون في القتل ردء للقتل‏,‏ وعندما يكون في القتل نفي للقتل‏,‏ عندما يكون فيه الحياة ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون‏,[‏ البقرة‏:179]‏ولا يزنون‏,[‏ الفرقان‏:68]‏ بل يتزوجون‏,‏ أبيح لكم ـ بشرط الطول والعدل ـ واحدة والثانية والثالثة والرابعة‏,‏ وحرم عليكم الزنا فأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثني وثلاث ورباع‏,[‏ النساء‏:3],‏ أما الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا‏,[‏ الإسراء‏:32],‏ وحرمه الله من بدايته ولا تقربوا الزنى‏,[‏ الإسراء‏:32],‏ ولم يقل في القرآن بطوله حرم الله عليكم الزنا بل جعل التحريم حتى من النظرة الأولي ومن الكلام بغير المعروف‏,‏ ومن الخلوة واللمس‏,‏ جعل ذلك كله مقدمات للزنا‏,‏ وجعل ذلك كله حراما‏..‏

ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما‏,‏ يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا‏,‏ إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات‏,[‏ الفرقان‏:68‏ ـ‏70]‏ سبحانه وتعالي يجعل هذه السيئات تتحول بتغير بيئتها إلي حسنات يوم القيامة‏,‏ ويفهم هذا عن ربه من فتح الله عليه‏,‏ وتمر هنا بها مرور الكرام لدقتها‏,‏ ولكن فضل الله كبير‏,‏ ورحمة الله واسعة‏,‏ فتدبروا وتأملوا كتاب ربكم وعيشوا في ظلاله فظلاله وافرة‏..‏ وكان الله غفورا رحيما‏,‏ ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلي الله متابا‏,[‏ الفرقان‏:70‏ ـ‏71].‏ فعبر بالمفعول المطلق للتأكيد‏,‏ فالمفعول المطلق يبين الحقيقة وينفي المجاز‏,‏ ويؤكد المصدر مرة بعد أخري‏,‏ فاستعمله ربنا فيقول‏:‏ ومن تاب وعمل صالحا فإنه ينوب إلي الله متابا‏,‏ لم يسكت‏,‏ قال جل في علاه‏:‏ متابا‏,‏ أي قبول حقيقي لها‏,‏ أي توبة نصوحا مقبولة علي حقيقتها‏,‏ وليس فيها أي نوع من أنواع المجاز‏,‏ ومؤكدة‏.‏

والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما‏,[‏ الفرقان‏:72],‏ فما الذي شاع في الناس الآن؟ علي حد إخبار النبي المصطفي والحبيب المجتبي صلي الله عليه وسلم في علامات آخر الزمان أنهم يشهدون قبل أن يستشهدوا‏.[‏ صحيح مسلم‏].‏
ويشهدون بالزور‏,‏ وشهادة الزور ظاهرها جميل ـ زور في لغة العرب‏:‏ جمل وحسن وباطنة قبيح‏,‏ فهو كذب ـ ورسول الله صلي الله عليه وسلم ـ يعظم علينا الكذب فيقول فيما أخرجه مالك في موطنه‏,‏ عن صفوان بن سليم‏,‏ أنه قال‏:‏ قيل لرسول الله‏:‏ أيكون المؤمن جبانا؟ فقال‏:‏ نعم فقيل له‏:‏ أيكون المؤمن بخيلا؟ فقال‏:‏ نعم فقيل له‏:‏ أيكون المؤمن كذابا؟ فقال‏:‏ لا‏..!..‏ وشهادة الزور من الكذب‏,‏ وقد شاع الكذب في الناس‏..‏

كيف يحمل الكذاب دعوة ربه إلي العالمين؟‏!‏ كيف يحمل شاهد الزورـ بشهادته هذه ـ دين ربنا وهو صدق كله؟‏!‏ لا يتسق ذلك ولا يكون‏,‏ والأمر أمر هداية من عند الله‏,‏ والأمر أمر توفيق من عند سبحانه وتعالي للعبد‏:‏ والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما‏,[‏ الفرقان‏:72].‏

وإذا مروا باللغو مروا كراما‏..‏ فهو يمثل النفسية الراقية النبيلة التقية التقية‏,‏ فيمر باللغو فلا يندرج فيه‏,‏ يراه أمامه ويسمعه بأذنيه ولكنه لا يستدرج إليه‏.‏
نفس عظيمة من غير كبر‏,‏ نفس كريمة من غير سرف‏,‏ نفس رحيمة من غير ضعف‏,‏ نفس قوية من غير قسوة‏,‏ نفس رباها رسول الله صلي الله عليه وسلم فكانت من عباد الرحمن‏,‏ وعباد الرحمن إذا مد احدهم يده إلي السماء وهي قبلة الدعاء‏:‏ يا رب ـ اهتز له الكون‏.‏

والذين إذا ذكروا بآيات ربهم له يخروا عليها صما وعميانا‏,‏ والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما‏,‏ أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلامة‏,[‏ الفرقان‏:73‏ ـ‏75].‏

وكأن هذه التكاليف تحتاج إلي تربية وتحتاج إلي صبر‏,‏ كأن هذه التكاليف تحتاج إلي حبس النفس‏,‏ كأن هذه التكاليف تحتاج إلي تغيير المعتاد‏..‏ أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما‏,[‏ الفرقان‏:75]‏ كما كانوا يقولونه في الحياة الدنيا للجاهلين تقوله الملائكة لهم في الجنة‏…‏ خالدين فيها حسنت مستقر ومقاما‏,[‏ الفرقان‏:76],‏ في مقابلة ما تعوذوا به من الإساءة في المستقر والمقام من جهنم أعاذنا الله وإياكم حرها ومنظرها‏,‏ قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما‏,[‏ الفرقان‏:77].‏

يا عباد الله هذا جزء من جوهر الدعوة الإسلامية‏[‏ الإنسان المسلم‏]‏ الذي هو عبد الله تعالي من عباد الرحمن‏,‏ هذا الإنسان المسلم يعلمنا رسول الله صلي الله عليه وسلم كيف يكون‏.‏ وكيف نبدأ؟ فقال‏:‏ ابدأ بنفسك‏,[‏صحيح مسلم‏],‏ فابدأ بنفسك ولا تنظر إلي القذاة في عين أخيك وتترك جذع النخلة في عينك‏,‏ واشتغل بعيونك‏..‏ وغير نفسك وجدد إيمانك‏,‏ وتهيأ لأن تكون مسلما داعيا إلي الله‏,‏ إما بقالك وإما بحالك‏..,‏ بلغوا عني ولو آية‏,[‏ البخاري‏],‏ وتعامل مع الرحمن سبحانه وتعالي علي أنه يحبك‏,‏ وعلي أنه وفقك لشيء قد حرمه الكثير‏..‏

 

الأهرام 14 يوليو 2008

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: