وظن أنه “منتصر” !

ماتت الشيوعية منذ أوائل التسعينيات.. و منذ ذلك الحين و الشيوعيون المصريون -واسمهم الحالي العلمانيون- يشعرون باليتم ويريدون الأخذ بثأر أمهم القتيلة. ولأنهم أجبن من أن يعترفوا أن الله قهرهم وهزمهم وأنهم ضيعوا أعمارهم في الإيمان بأشياء اعترف من طبقها بأنها كانت خطأ يجب التراجع عنه، فقد رأوا أن النيل من علماء الإسلام الذين يحبهم الناس هو أنسب وسائل الثأر. لقد قرأنا لـ”منهزم” من هؤلاء مقالاً في جريدة المصري اليوم يسخر فيه من معلومات فضيلة المفتي التي قالها في برنامج البيت بيتك عن الموت والبرزخ، قائلاً أن ما قاله فضيلة المفتي “يدخل تحت بند ترويج الأساطير وبيع الخرافة للبسطاء”..

وما لا يعرفه الكاتب أن الأربعين سنة التي قضاها من عمره في ظلمات الفكر واتباع الترهات قضاها فضيلة المفتي يتعلم ويعلّم أصول الفقه.. فهو –كأي عالم محترم- لا يتكلم بأي كلام إلا إذا كان معه الدليل القوي من القرآن والسنة.. طبعًا إلا إذا كان هذا العلماني مازال يعتبر القرآن والسنة –أهم أسس التشريع- من أساطير الأولين كما كان يقول أسلافه!

وحتى يُيسّر فضيلة المفتي على المشاهدين فهم حياة البرزخ، فقد شبهه بأنه مثل أنبوب يمر الهواء فيه باتجاه واحد إذ أن الروح بعد الموت تدخل من الحياة الدنيا إلى البرزخ و لا تستطيع العودة مرة أخرى إلى أن تخرج من البرزخ يوم القيامة. هذا كلام معروف يعرفه تقريبًا أي مؤمن ولا يجد فيه غضاضة ولا إسفافًا.. إلا أن هذا “الإعلامي” لا يرى ذلك ويقول: ” قضية البرزخ والبلف تفتح أمامنا قضية أكثر أهمية، وهى قضية الاطلاع على الغيب التي يحتكرها الشيوخ” !!

وهذا يدل على أن الكاتب الفاضل لا يعرف إلا الشيوخ “المغشوشين” الذين يتاجر بهم في برنامجه العقيم الذي يعيش فيه في “حلم” آخر، في حين أن الشيوخ الحقيقيين –أسوة برسول الله- لم يدّعِ أحد منهم معرفة الغيب أبدًا، وكل معلوماتهم عنه –ومعلومات سائر الأمة-مأخوذة من الكتاب والسنة..

واستمرارًا في التخبط يقول “علم الغيب انفرد به الله سبحانه وتعالى، الرسول نفسه يؤكد أنه لا يعلم الغيب، إذن من أين عرف هؤلاء الشيوخ كل هذه التفاصيل؟!”.. فأقول أن الله سبحانه وتعالى أطلع نبيه صلى الله عليه وسلم على بعض الغيب بدليل قوله تعالى “تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ماكنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا”(هود:49) وقوله تعالى “عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول”(الجن:26).. ولكن يبدو أن القرآن ليس من المصادر الموثوق بها للمعلومات التي يرجع إليها الكاتب.. إن كان يرجع لمصادر معلومات أصلاً !

وأرى أن صدر الطبيب العلماني قد ضاق بما قاله فضيلة المفتي في مسائل الموت، فلعلي أضيف إلى ضيقه ضيقًا فأورد أمثلة على ما قال فضيلته.. بأدلتها! فأدلة دخول أطفال المسلمين الجنة منها :
(1) حديث عدي بن ثابت : أنه سمع البراء رضي الله عنه قال لما توفي إبراهيم عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( إن له مرضعا في الجنة ) [ 3082 ، 5842 ] صحيح البخاري: 1/ 464
(2) وعن على : فى قوله {إلا أصحاب اليمين} قال هم أطفال المسلمين (البيهقى فى شعب الإيمان ، والفريابى ، والضياء ، وابن أبى شيبة ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبى حاتم ، والحاكم) [كنز العمال 4648]
(3) وحديث أبي هريرة عند أحمد والحاكم وغيرهما: ذراري المسلمين في الجنة يكفلهم إبراهيم.
(4) وحديث علي عند عبد الله بن أحمد في زوائده أن المؤمنين وأولادهم في الجنة.
(5) وحديث ابن عمر عند ابن أبي الدنيا في كتاب العزاء كل مولود يولد في الإسلام فهو في الجنة شبعان وريان يقول يا رب أورد على أبوي. (6) وحديث عائشة عند الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن عبد البر قالت سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المسلمين أين هم قال في الجنة الحديث.
وفي الباب أيضا عن سمرة بن جندب عند البخاري وعن غيره. ودليل أن موت الولد يكون سببًا في دخول الجنة: عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : أَتَتِ امرأةٌ بصبيٍّ لها للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقالت : يا نبي الله ادعُ له ، فلقد دفنت ثلاثة من الولد قالت نعم ، قال : لقد احتظرتِ بِحَظارٍ شديدٍ من النار. أخرجه مسلم ، كتاب البر والصلة والأدب، باب فضل من يموت له ولد فيحتسبه، برقم [2636] ودليل أن الولد وأبويه في الجنة: عَنْ أَبِي حَسَّانَ قَالَ قُلْتُ لأَبِى هُرَيْرَةَ إِنَّهُ قَدْ مَاتَ لِىَ ابْنَانِ فَمَا أَنْتَ مُحَدِّثِى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِحَدِيثٍ تُطَيِّبُ بِهِ أَنْفُسَنَا عَنْ مَوْتَانَا قَالَ قَالَ نَعَمْ « صِغَارُهُمْ دَعَامِيصُ الْجَنَّةِ يَتَلَقَّى أَحَدُهُمْ أَبَاهُ – أَوْ قَالَ أَبَوَيْهِ – فَيَأْخُذُ بِثَوْبِهِ – أَوْ قَالَ بِيَدِهِ – كَمَا آخُذُ أَنَا بِصَنِفَةِ ثَوْبِكَ هَذَا فَلاَ يَتَنَاهَى – أَوْ قَالَ فَلاَ يَنْتَهِى – حَتَّى يُدْخِلَهُ اللَّهُ وَأَبَاهُ الْجَنَّةَ ». أخرجه مسلم ، كتاب البر والصلة والأدب، باب فضل من يموت له ولد فيحتسبه، برقم [2635]

ثم يلجأ كاتب المقال إلى حيلة الشيوعيين القديمة: تكذيب الأحاديث.. وهي حيلة لفرط غبائهم ترتد عليهم بأشد الوبال! لأنه – وباعتراف المستشرقين – لا يوجد أتباع لأي نبي قد اعتنوا بكل ما قال وفعل كما فعل المسلمون بسنة نبيهم.. حيث تم توثيق الحديث الشريف توثيقًا عجيبًا ضعّف فيه العلماء الحديث إذا كان هناك أدنى شك في أن أحد رواته لم يستكمل أعلى درجات الحفظ و الصدق و الدقة في النقل.. وأجمعت الأمة على أن كتاب صحيح البخاري بالذات قد جمع الأحاديث المتصفة بأعلى درجات الصحة، فهو أصح كتاب على وجه الأرض بعد كتاب الله.. وقد تصدى العلماء على مدى التاريخ لمن حاولوا الطعن في أحاديث البخاري وبيّنوا خطأهم وصحة ما نقله البخاري.. فلا حاجة لنا أن ندافع عن قيمة غالية لدى الأمة مثل الإمام البخاري الآن..

ولكن لنناقش ما قاله كاتب المقال.. يقول: “وكيف نصدق أحاديث تنسب للرسول تتحدث عن هذاالغيب بشكل لا يقبله أي عقل أو منطق؟! كيف نصدق أن الرسول، عليه الصلاةوالسلام، عندما سئل عن ميعاد الساعة أشار إلى غلام صغير، وقال إنه لنتدركه الشيخوخة والهرم حتى تقوم الساعة، وأعتقد أن هذا الطفل قد ماتبالفعل والقيامة لم تقم بعد! “..

كنت أعلم عن هذا الحديث أن الإمام البخاري قد رواه في كتاب الأدب، وقد قلت في نفسي –بحسن نية- ربما يعترض الكاتب على رواة الحديث مثلاً.. فنظرت في كتب الجرح والتعديل التي تتناول سيرة الرواة بالتفاصيل فوجدتهم -كما تصفهم الكتب- عدول (جمع عَدْل) وثِقَة.. فقلت ربما كان بمتن الحديث –أي نصه- شيئًا ما غاب عن ذهن أمير المؤمنين في الحديث ثم عن ذهن الإمام البخاري واكتشفها هو! فوجدته يعترض على جملة (إن أخر هذا فلم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة).. ولو أنه أتعب نفسه قليلاً بالرجوع إلى أحد كتب شرح البخاري (بدلاً من كتب كارل ماركس) لوجد ابن حجر –العالم الجليل- يقول: “ويحتمل أن يكون المراد بقوله ” حتى تقوم الساعة ” ولم يرد أنها (أي الساعة) تقوم عند بلوغ المذكور الهرم ولكن أراد المبالغة في تقريب قيام الساعةلا التحديد، كما قال في الحديث الآخر:” بعثت أنا والساعة كهاتين”، وهذا عمل شائع للعرب يستعمل للمبالغة عند تفخيم الأمر وعند تحقيره وعندتقريب الشيء وعند تبعيده، فيكون حاصل المعنى أن الساعة تقوم قريبًا جدًا”..

وحتى لو فكرت فيها منطقيًا.. ففي حياتنا المعاصرة يطلبك أحدهم بالهاتف فيرد عليه ابنك ويقول “له ثانية واحدة وبابا يرد عليك” وهو يريد أن يقول أنك ستكون معه بعد فترة يسيرة.. فهل يمكن أن نصف الابن بالحماقة واللامنطقية ؟! أم الأحرى أن نصف من لا يفهم التعبيرات المجازية بأنه مريض بمرض التوحد Autismذي العَرَض الشهير أن المريض لا يفهم المدلولات والأمثلة من هذا النوع ؟!

وأخيرًا يلعب الكاتب على وتر الفتنة الطائفية، مع أن فضيلة المفتي لم يمس أديان الآخرين من قريب ولا من بعيد! ولكن العلماني “الذكي” –ما شاء الله عليه- يريد أن يورّط الرجل الفاضل الذي لم يتعرض له ويدق سارينة الحريق صارخًا بأعلى صوته محذرًا من أن “رجال الدين” كما يسميهم يريدون إشعال الفتنة بين عنصري الأمة! وهي حيلة -ككل حيلة- خائبة وساذجة.. لأن من يريدون إشعال الفتن هم من أمثاله الذين يسخرون من العلماء الأفذاذ.. و يستفزون جموع هذا الشعب الذي صاغ الإسلام وجدانه وجعله يتآلف مع كافة المعتقدات الأخرى.. مهما فعل من يكرهه.. وظن أنه “منتصر” !

بقلم: آل يونس

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: