رسالة إلى المعلم

 

 

Dr. Ali- 2

بقلم‏:‏د‏.‏ علي جمعة
مفتي الديار المصرية

 

أدعو الله سبحانه وتعالي أن يعود المعلم إلي الحالة التي وصفها شوقي فقال‏:‏

قم للمعلم وفه التبجيلا
كاد المعلم أن يكون رسولا

وأريد أن أرسل للمعلم بعض كلمات من كلام رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم‏،‏ وكل كلمة قالها رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وهو يرسم لنا طريق الله الصراط المستقيم كفيلة بأن تغير حياة الإنسان‏،‏ ومما قاله صلي الله عليه وآله وسلم‏،‏ وكل كلامه يدعو إلي حسن الخلق‏،‏ قال‏:‏ يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق‏،‏ ويعطي علي الرفق ما لا يعطي علي العنف‏،‏ وما لا يعطي علي ما سواه‏(‏ صحيح مسلم‏)،‏ إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه‏،‏ ولا ينزع من شيء إلا شانه‏ (‏ صحيح مسلم‏)،‏ فأمر رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أم المؤمنين‏،‏ وأمر الأمة من ورائها‏:‏ بالرفق‏.‏

والرفق يكون مع النفس‏،‏ والرفق يكون مع الناس‏،‏ والرفق مع الكون‏،‏ وبكل ذلك أمر رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم‏،‏ ولما بوب العلماء العارفون باب الرفق بوبوه مع حسن الخلق والحياء‏،‏ وكأن هناك صلة بين الرفق وبين الحياء‏،‏ والنبي صلي الله عليه وآله وسلم فيما روي عن عمران بن حصين رضي الله تعالي عنهما‏،‏ أن النبي صلي الله عليه وآله وسلم قال‏:‏ الحياء خير كله‏(‏ صحيح مسلم‏)،‏ وروي أن النبي صلي الله عليه وآله وسلم مر علي رجل من الأنصار يعظ أخاه‏،‏ أو يعاتب أخاه في الحياء،‏ فقال له‏:‏ دعه فإن الحياء من الإيمان ‏(‏ البخاري ومسلم‏).‏

النبي صلي الله عليه وآله وسلم يعلو بالحياء إلي أن يقول فيما رواه الحاكم وابن أبي شيبة عن ابن عمر‏:‏ إن الحياء والإيمان قرنا جميعا‏،‏ فإذا رفع أحدهما رفع الآخر‏،‏ فصفة المؤمن‏:‏ الحياء، وصفة الفاجر‏:‏ الفجور، وهو نوع من أنواع العنف، أما الحياء فهو نوع من أنواع الرقة التي أمر بها رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم‏.‏

الحيي لا يمكن أن يكون عنيفا‏، ولا يمكن أن يكون قاسي القلب‏، ورسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يعلمنا ويعلمنا أن هذه الأخلاق بعضها يخدم بعضا‏،‏ وبعضها يؤيد ويساند بعضا فيقول‏:‏ ألا أخبركم بأهل النار؟‏‏ قالوا‏:‏ بلي‏، قال‏:‏ كل جواظ جعظري مستكبر‏(‏ أخرجه الإمام أحمد في مسنده‏)،‏ وانظر إلي اختيار سيدنا رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم‏،‏ وهو أفصح العرب، لهذه الكلمات الصعبة،‏ ليوافق المبني المعني،‏ وليوافق نظر مستمع من هذه الألفاظ نظرة النفس منها‏.‏

جواظ جعظري‏!‏ كلمات صعبة وغير مفهومة لعموم الناس‏، تستدرك المسألة‏:‏ وما الجواظ؟ وما الجعظري؟ الجواظ‏:‏ الجماع للمال،‏ لا يريد أن ينفق شيئا منه في سبيل الله‏، ولا يريد أن يخرج حتي حق الله فيه من الزكاة، وبذلك يكون عنيفا مع مجتمعه وناسه،‏ فليس العنف مقتصرا في القوة،‏ وليس العنف مقتصرا علي الهمجية،‏ ولكن العنف قد يكون سلبيا بمنع حق الله سبحانه وتعالي،‏ فالجواظ من يجمع ويمنع،‏ يجمع من لطف الله ما شاء الله به عليه،‏ ثم يمنعه أن يصل وأن يدور كما أمرنا الله من ماله أن يكون‏.

والجعظري‏:‏ قاسي القلب الذي لا ينتهي إذا ما كلمته بموعظة ينظر إليك باستهزاء وعلو‏، وإذا ما ذكرته بالموت لا يرق قلبه،‏ ولا تهدأ نفسه،‏ ولا يخشي من مقابلة الله سبحانه وتعالي‏، ولا تدمع عيناه‏، وهذا نوع من أنواع العنف‏.‏

النبي صلي الله عليه وآله وسلم جاهد في سبيل الله‏، جاهد بشرف‏..‏ جاهد بلطف‏..‏ جاهد لغاية ولم يكن عنيفا‏،‏ يصفه الصحابة الكرام بأنهم عندما كانوا يصافحون يده الشريفة كانوا يجدونها أملس من الحرير صلي الله عليه وآله وسلم‏(‏ البخاري‏)، لكنه كان فارسا‏،‏ يقولون عنه في حربه‏:‏ كنا إذا احمر البأس ولقي القوم القوم اتقينا برسول الله صلي الله عليه وآله وسلم،‏ فما يكون من أحد أدني من القوم منه‏(‏ الإمام أحمد في مسنده‏).‏

كان لا يغضب‏،‏ ونصح أصحابه بألا يغضبوا، وقال‏:‏ لا تغضب ولك الجنة‏(‏ الطبراني في معجمه الكبير‏)، لكنه كان يغضب إذا ما مست حدود الله سبحانه وتعالى، وما انتقم رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها‏(‏ البخاري‏)، وإذا ما رأي المعصية أمامه فإنه يغضب بشدة، لا بعنف‏،‏ لأنه أمر لا يرجع إلي ذاته الشريفة‏، إنما يرجع إلي تبليغ الرسالة‏، وإلي إقامة حدود الله بين البشر‏، جاءه أعرابي فأمسكه من ثيابه وخنقه صلي الله عليه وآله وسلم حتي كاد الصحابة أن يهموا به يقتلونه،‏ فما زاده الجهل عليه إلا حلما،‏ وما زاده ذلك إلا أمانة‏.‏

إذن وراء هذا الرسول شيء ليس بمنظور لنا، ينبغي عندما نتخلق بأخلاق الدين أن نثق بما في يده سبحانه وتعالي أكثر من ثقتنا بما في أيدينا، وأن نترك هذه الغشاوة التي يعيش فيها عموم الإنسان بأن يثق بالمحسوس أكثر من ثقته بربه الذي خلقه‏!‏

هذه أسرار علمنا إياها رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم‏،‏ هذه الأسرار مفقودة لا يعرفها كثير من البشر،‏ ومن كثرة إلفنا لها استهنا به، ومن كثرة تكرارها علي أذهاننا وأسماعنا اعتقدنا أنها دون الحقائق العليا‏!!‏ إلا أن هذه هي الحقيقة، فجرب أيها المعلم،‏ لا تجرب مع الله‏، جرب نفسك مع الله‏، لا تجرب الله فما كان الله ليمتحن،‏ حاشاه وجل جلاله‏، إنما جرب نفسك مع الله‏،‏ وانظر حتي يفتح عليك فتوح العارفين به سبحانه‏.‏

 

الأهرام 22 يونيو 2009

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: