المحاسبة والتشويه

Dr. Ali- 2

 

 

 

 

 

 

بقلم الدكتور علي جمعة

مفتي الديار المصرية

علمنا رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ أن أحدا لا ينبغي أن يكون فوق المحاسبة،‏ وبدأ بنفسه، فكان يعدل صفوف أصحابه يوم بدر،‏ بعود كالأراك في يده،‏ فمر بسواد بن غزية وهو متقدم عن الصف‏، فطعنه في بطنه بالعود وقال استو يا سواد‏:‏ فقال‏:‏ يا رسول الله أوجعتني،‏ وقد بعثك الله بالحق والعدل‏، فأقدني‏،‏ وكان سواد مقاتلا فارسا‏،‏ فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه فقال‏:‏ استقد قال‏:‏ فاعتنقه فقبل بطنه‏،‏ فقال‏:‏ ما حملك علي هذا يا سواد؟

قال‏:‏ يا رسول الله،‏ أردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك،‏ فدعا له بخير،(‏ السيرة النبوية لابن اسحاق‏)، ونحن نسير على هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما سار عليه الخلفاء الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي،‏ فكلهم أعلنوا أنهم ليسوا فوق المحاسبة وأن المحاسبة حق من حقوق المجتمع،‏ وبلغة العصر‏:‏ رقابة دستورية على الجميع لا يستثني منها أحد‏،‏ وهذا هو العدل الذي هو أساس الملك‏.‏

فهذا أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ يقول في خطبة توليه الخلافة‏:‏ أما بعد أيها الناس إني قد وليت عليكم ولست بخيركم‏،‏ فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني،‏ الضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له،‏ والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه،‏ أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم ‏(‏سيرة ابن اسحاق‏).‏

وهذا عمر الفاروق رضي الله عنه يقول في إحدى خطبه‏:‏ أيها الناس،‏ من رأي منكم في اعوجاجا فليقومه‏، فقام له رجل وقال‏:‏ والله لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بسيوفنا،‏ فقال عمر‏:‏ الحمد لله الذي جعل في هذه الأمة من يقوم اعوجاج عمر بسيفه‏.‏ وكان يقول‏:‏ أحب الناس إلي من رفع إلي عيوبي‏.‏ وجاءه يوما رجل فقال له‏:‏ اتق الله يا عمر، فغضب بعض الحاضرين‏، فقال لهم عمر‏:‏ لا خير فيكم إذا لم تقولوها،‏ ولا خير فينا إذا لم نسمعها‏.
وهذا ذو النورين عثمان رضي الله عنه يقول في كتابه إلي عماله‏:‏ أما بعد، فإن الله خلق الخلق بالحق فلا يقبل إلا الحق، خذوا الحق وأعطوا الحق‏(‏ تاريخ الطبري‏)، ويقول أيضا‏:‏ إن وجدتم في كتاب الله عز وجل أن تضعوا رجلي في القيد فضعوها‏.‏ وهذا علي بن أبي طالب إمام المتقين ـ كرم الله وجهه ـ يقول في خطبة خلافته ألا وإنه ليس لي أمر دونكم إلا أن مفاتيح ما لكم معي‏، ألا وإنه ليس لي أن آخذ منه درهما دونكم ‏(‏تاريخ الطبري‏).‏ ـ كما علمنا رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ البعد عن الشبهات إذا كانت شبهات،‏ والافتخار بالأعمال الصالحة دون تكبر أو بطر،‏ وفي الحديث أن صفية رضي الله عنها ـ أتت النبي ـ صلي الله عليه وآله وسلم وهو معتكف،‏ فلما رجعت مشي معها،‏ فأبصره رجلان من الأنصار فأسرعا‏، فدعاهما فقال‏:‏ علي رسلكما،‏ إنها صفية بنت حيي ثم قال‏:‏ إن الشيطان يجري من ابن آدم مجري الدم ‏(‏أخرجه‏:‏ البخاري ومسلم‏).‏

وكان يحب أن يظهر المسلمون الأعمال الصالحة حتى يعلمها الناس فيتبعوها‏، وقال‏:‏ من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده‏ (‏أخرجه مسلم‏).‏ ـ وكان يكره الظلم وقال‏:‏ الظلم ظلمات يوم القيامة وقال‏:‏ واتق دعوة المظلوم‏، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب‏ (‏رواهما البخاري ومسلم‏)،‏ وأمر المؤمنين أن يرجعوا عن ظلمهم إذا ظلموا‏،‏ وأن يطلبوا السماح من صاحب الحق‏،‏ وكان يقول‏:‏ من كانت عنده مظلمة لأخيه‏،‏ من عرضه أو من شيء، فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم،‏ إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه‏ (‏أخرجه البخاري‏).‏

ـ وكان يكره أن تشوه الصورة‏،‏ لأن ذلك من الظلم الذي هو ظلمات يوم القيامة،‏ وقد ورد في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يقسم الغنائم،‏ فقال له رجل‏:‏ اعدل يا محمد‏، فإنك لم تعدل‏، فقال‏:‏ ويلك‏!‏ ومن يعدل بعدي إذا لم أعدل؟ فقال عمر‏:‏ دعني يا رسول الله حتى أضرب عنق هذا المنافق‏،‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ إن هذا في أصحاب أو أصيحاب له يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم،‏ يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ‏(‏أخرجه ابن ماجه وأحمد وابن حبان‏).‏ ولقد تكرر هذا الموقف كثيرا فصبر كما أمره الله وأنزل الله السكينة علي قلبه قال تعالى:‏ “واصبر وما صبرك إلا بالله‏”.‏ ـ وعلي الرغم من أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول‏:‏ كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع‏(‏ أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه‏).‏

وعلى الرغم من أن الله سبحانه وتعالي نعى علي الذين يلبسون الحق بالباطل فقال ـ تعالى‏: “‏ لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون‏” آل عمران‏:71، ولدرجة أنه سمى الشيطان الرجيم ‏(‏إبليس‏)،‏ لأنه يلبس الحق بالباطل والباطل بالحق‏،‏ فإننا نرى من الناس من يصر على الباطل ويلبسه بالحق‏،‏ ونراهم يشترون الحياة الدنيا بالآخرة‏،‏ لا تنفع معهم موعظة‏،‏ ولا يردعهم‏ (‏قال الله‏)‏ و‏(‏قال الرسول‏)، وهذا الصنف من الناس يصدق فيه قول عثمان بن عفان‏:‏ إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن‏،‏ وحينئذ يحق للمؤمن أن يرفع الخصومة بينه وبين من ظلموه ـ ولم يسعوا للاعتذار ـ إلى القضاء يفصل بينهم في الدنيا‏،‏ وموعدنا يوم القيامة أمام حكم عدل مالك يوم الدين‏.‏ “والظالمون ما لهم من ولي ولا نصير”‏(‏ الشوري‏:8)‏ وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون‏.‏

 

الأهرام 13 يوليو 2009

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: