الاحترام

 

Dr. Ali- 2

بقلم‏:‏د‏.‏ علي جمعة
مفتي الديار المصرية

أصدرت منظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة مجموعة من القيم نبهت عليها‏، وجعلت هذه القيم هي المشترك بين الإنسانية كلها،‏ وسمتها بالقيم النشيطة،‏ وارتأت أنها القيم التي ينبغي لكل مناهج التعليم في العالم أن تلتزم بها‏.

وكل هذه القيم وجدناها في الإسلام، وفي كل الأديان‏، أولي هذه القيم‏:‏ قيمة الاحترام،‏ الاحترام للنفس‏،‏ والاحترام لغيرك‏، والاحترام للعالم من حولك‏، ومنها قيمة البساطة،‏ والتعاون،‏ والسعادة،‏ والمرح‏، وقيمة المحبة‏، وقيمة المسئولية‏، وقيمة الاتحاد‏، والتواضع‏، والرحمة‏.‏

وجعلت الاحترام أولى القيم‏، وفي الإسلام نري أهمية الاحترام‏، وقد ربطه بالتربية‏، وبالخلق القويم الذي إذا تركناه أو نسيناه أو همشناه في حياتنا لذهبت هذه القيمة ومعها قيم كثيرة‏، ولكان ذهاب هذه القيم مخلا بالاجتماع البشري‏.‏

ـ أمرنا الإسلام أن نربي أبناءنا وخدمنا وان نعلمهم‏، وأن نجعل التقوى هي المقياس‏، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما أخرجه أحمد في مسنده‏:‏ إن أنسابكم هذه ليست بسباب علي أحد‏، وإنما انتم ولد آدم‏، طف الصاع لم تملئوه‏، ليس لأحد فضل إلا بالدين أو عمل صالح‏، حسب الرجل أن يكون فاحشا بذيا بخيلا جبانا‏، ونري في عصرنا أن كثيرا من الناس قد أساء الأدب مع العالم‏، وأساء الأدب مع الناس وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ ليس منا من لم يرحم صغيرنا‏، ويعرف شرف كبيرنا‏، أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه‏، وعن عائذ بن عمرو رضي الله عنه أن أبا سفيان أتي على سلمان وصهيب وبلال في نفر‏، فقالوا‏:‏ والله ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها‏، قال‏، فقال أبو بكر‏، أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟ فأتي النبي صلي الله عليه وآله وسلم‏، فأخبر‏، فقال‏:‏ يا أبا بكر‏، لعلك أغضبتهم؟ لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك‏، فأتاهم أبو بكر‏، فقال‏:‏ يا إخوتاه‏، أغضبتكم؟ قالوا‏:‏ لا‏، يغفر الله لك يا أخي‏، رواه مسلم في صحيحه‏، واليوم لا يبالي كثير من الناس بغضب أولياء الله وأهل القرآن‏، وعلماء الأمة‏، فإنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏

ـ لقد ربط رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الاحترام بنفع الناس‏، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد ـ أي تنظفه ـ ففقدها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏، فسأل عنها‏، فقالوا‏:‏ ماتت‏، قال‏:‏ أفلا كنتم آذنتموني؟‏، قال‏:‏ فكأنهم صغروا أمرها‏، فقال‏:‏ دلوني على قبرها‏، فدلوه‏، فصلى عليها عند قبرها‏، أخرجه البخاري ومسلم‏، وهو تدريب عملي من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لصحابته على احترام الآخرين مهما صغرت مكانتهم‏، خاصة أنها كانت تقوم بعمل صالح بتنظيف المسجد‏، وهو بيت الله‏، ومكان اجتماع المسلمين‏، ولم تذكر لنا الكتب‏:‏ من تلك المرأة‏، كل ما نعرفه أنها كانت تنظف المسجد فقط‏، لكننا نعرف أيضا أنها ماتت وان الله راض عنها ورسوله والمؤمنون‏.‏

ـ ويتمادي الإسلام في تعليم الاحترام حتى أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال‏:‏ لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه‏.‏

‏4‏ ـ والإسلام يعلمنا الاحترام مع الآخرين‏، فأخرج البخاري ومسلم عن عبد الرحمن بن أبي ليلي قال‏:‏ كان سهل بن حنيف‏، وقيس بن سعد قاعدين بالقادسية‏، فمروا عليهما بالجنازة‏، فقاما‏، فقيل لهما‏:‏ إنها من أهل الأرض ـ أي من أهل الذمة في هذه البلد ـ فقالا‏:‏ إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم مرت به جنازة فقام‏، فقيل له‏:‏ إنها جنازة يهودي‏،  فقال أليست نفسا؟‏‏

وعلمنا الإسلام الاحترام داخل الأسرة‏، فعن أنس رضي الله عنه قال‏:‏ بلغ صفية بنت حيي أم المؤمنين أن حفصة أم المؤمنين أيضا قالت عنها‏:‏ بنت يهودي‏، فبكت صفية‏، فدخل عليها النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهي تبكي‏، فقال‏:‏ ما يبكيك؟‏ قالت‏:‏ قالت لي حفصة إني بنت يهودي‏، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ إنك لابنة نبي‏، وإن عمك لنبي‏، وإنك لتحت نبي‏، ففيم تفخر عليك؟‏! اتقي الله يا حفصة‏، أخرجه أحمد والترمذي‏.‏

فانظر كيف وجه النبي صلى الله عليه وآله وسلم الكلام أولا إلى السيدة صفية فرفع من مكانتها‏، وأشعرها بالثقة في النفس‏، ولفت نظرها إلى معني لم تلتفت هي إليه أصلا‏، وهي أنها من نسل موسي أو هارون عليهما السلام فهي بنت نبي وعمها نبي‏، وهذا دافع لفخارها بنفسها‏، فأذهب عنها حزنها وبكاءها‏، وأذهب عنها المفهوم الذي دعاها للشعور بالنقص أو القلة‏، ثم ربي على كل هذه المعاني الطيبة ونسق الإسلام المفتوح السيدة حفصة‏.‏

ـ بل إن الإسلام تمادي في تعليمنا قيمة الاحترام حتى أمرنا أن نحترم الحيوان‏، والجماد‏، فعن أبي هريرة رضي الله عنه‏، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال‏:‏ إياكم أن تتخذوا ظهور دوابكم منابر‏، فإن الله إنما سخرها لكم لتبلغكم إلي بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس‏، وجعل لكم الأرض‏، فعليها فاقضوا حاجتكم‏،  أخرجه أبو داود في سننه‏.‏

لا مفر لنا إلا أن نحترم كبيرنا‏، وان نعطف على صغيرنا‏، وان نتقي الله في أنفسنا‏، فهذا هو الأمن المجتمعي‏.‏ 

الأهرام 20 يوليو 2009

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: