آداب تلاوة القرآن الكريم الباطنية

 

Dr. Ali- 2

 بقلم‏:‏ د‏.‏ علي جمعة

مفتى الديار المصرية

أسند أبوبكر الأنباري عن أبي أمامة الحمصي قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ من أعطي ثلث القرآن فقد أعطي ثلث النبوة‏، ومن أعطي ثلثي القرآن فقد أعطي ثلثي النبوة‏، ومن قرأ القرآن كله فقد أعطي النبوة كلها غير أنه لا يوحى إليه‏,‏ ويقال له يوم القيامة‏:‏ اقرأ وارق‏، فيقرأ آية ويصعد درجة حتى ينجز ما معه من القرآن‏، ثم يقال له‏:‏ اقبض،‏ فيقبض ثم يقال له‏:‏ أتدري ما في يدك؟ فإذا في يده اليمني الخلد وفي يده اليسرى النعيم‏، ومعني العطاء هنا‏:‏ العمل بما ورد في القرآن فعن الحسن قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ من أخذ ثلث القرآن وعمل به فقد أخذ أمر ثلث النبوة‏،‏ ومن أخذ نصف القرآن وعمل به فقد أخذ أمر نصف النبوة،‏ ومن أخذ القرآن كله فقد أخذ النبوة كلها‏.‏

فالأعمال الباطنية التي ينبغي أن تصاحب التلاوة هي عشرة أيضا‏:‏

أولها‏:‏ فهم عظمة الكلام وعلوه وفضل الله سبحانه وتعالي ولطفه بخلقه بإنزال القرآن الكريم وأنه قد سمح لنا أن نتلو كلامه القديم،وأن نفهم معناه رحمة بنا وهداية للمتقين‏.

ثانيها‏:‏ تعظيم شأن المتكلم‏، فلابد للقارئ عند بداية التلاوة أن يستحضر في قلبه عظمة المتكلم سبحانه وتعالى ويعلم أن ما يقرأه ليس من كلام البشر،‏ وأن الأمر جد لا هزل فيه‏.

ثالثها‏:‏ حضور القلب ومحاولة ترك حديث النفس، وقد قيل في تفسير قوله تعالى‏:(‏ يا يحيي خذ الكتاب بقوة‏)[‏ مريم‏:12]‏ أي بجد،‏ اجتهاد، وأخذه بالجد‏:‏ أن يكون متجردا له عند قراءته ومنصرف الهمة إليه عن غيره‏.‏

ورابعها‏:‏ التدبر ولو احتاج إلى أن يكرر الآية وأن يقف عندها فعليه أن يفعل ذلك‏.‏

خامسها‏:‏ التفهم وهو أن يستوضح من كل آية ما يليق بها،‏ إذ القرآن يشتمل على ذكر صفات الله سبحانه وتعالى وذكر أفعاله وذكر هدي الأنبياء وذكر أحوال الأمم وذكر يوم القيامة وذكر الجنة والنار وذكر التكليف وذكر الطاعات والمعاصي والأوامر والزواجر،‏ فلابد على القارئ أن يكون حريصا على طلب ذلك الفهم،‏ وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول‏:‏ من أراد علم الأولين والآخرين فليثور القرآن ومعني تثوير القرآن‏:‏ أن يقرأه بتدبر، وهذا التدبر يجعل الإنسان عارفا بنفسه ومن عرف نفسه عرف ربه‏، وكلما تدبر الإنسان في القرآن استخرج منه معاني وعجائب لا تنتهي‏، قال تعالى‏:(‏ قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا‏)[‏ الكهف‏:109]‏ وكان علي رضي الله عنه يقول‏:‏ لو شئت لأوقرت سبعين بعيرا من تفسير فاتحة الكتاب‏.‏

سادسها‏:‏ التخلي عن موانع الفهم فإن أكثر الناس منعوا عن فهم معاني القرآن لأسباب أسدلها الشيطان على قلوبهم فحجبت عنهم أسرار القرآن كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث الإسراء الذي أخرجه أحمد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه‏:‏ هذه الشياطين يحومون علي أعين بني آدم أن لا يتفكروا في ملكوت السموات والأرض، ولولا ذلك لرأوا العجائب،‏ ومن أسباب عدم الفهم‏:‏ أن يكون الهم منصرفا إلى تحقيق الحروف وإخراجها من مخارجها فينشغل الذهن بهذا عن التدبر،‏ ومنها‏:‏ التعصب لرأي سمعه من غير تحقق لبصيرة أو مشاهدة، ومنها‏:‏ الإصرار على الذنوب والتكبر والطمع في الدنيا وإتباع الهوى، فكل ذلك يحرم الإنسان من فهم القرآن،‏ وقد أخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ إذا عظمت أمتي الدنيا نزعت منها هيبة الإسلام،‏ وإذا تركت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حرمت بركة الوحي قال الفضيل بن عياض‏:‏ يعني حرموا فهم القرآن‏.‏

سابعها‏:‏ هو أن يوقن أن خطاب القرآن إنما هو موجه إليه،‏ فإذا مر بأمر أو نهي قدر أنه هو المنهي وأنه هو المأمور‏، وإذا مر بقصص لم يأخذها علي أنها حكاية لتاريخ مضي بل يأخذها علي أنها هداية لمستقبل آت،‏ وهذا يفتقده كثير من الناس حتى خفيت المعاني‏.‏

ثامنها‏:‏ التأثر،‏ وهو أن يتأثر قلبه بآثار مختلفة بحسب اختلاف الآيات فيكون له بحسب كل فهم حال ووجد يتصف به قلبه من الحزن أو الخوف أو الرجاء ونحو ذلك‏.‏

تاسعها‏:‏ الترقي‏، وهو استحضار رب العالمين وأنه وكأنه يقرأه بين يدي الله فإنه كما قيل‏:‏ إن الله تعالي تجلي لخلقه في كلامه ولكنهم لا يبصرون‏، وكان عثمان يقول‏:‏ لو طهرت القلوب لم تشبع من قراءة القرآن‏،‏ وكان ثابت البناني يقول‏:‏ كابدت القرآن عشرين سنة وتنعمت به عشرين سنة‏، وذلك حقيقة الترقي‏.‏

عاشرها‏:‏ التبري،‏ وهو أن يتبرأ القارئ من حوله وقوته والالتفات إلي نفسه بعين الرضا والتزكية‏،‏ فإذا تلا آيات الوعد والمدح للصالحين فلا يشهد نفسه عند ذلك بل يتشوف إلي أن يلحقه الله بهم‏،‏ وإذا تلا آيات ذم العصاة والمقصرين خاف على نفسه‏،‏ وقدر أنه مخاطب إشفاقا ورحمة‏،‏ وقد قيل ليوسف بن أسباط‏:‏ إذا قرأت القرآن بماذا تدعو؟ فقال‏:‏ أستغفر الله من تقصيري سبعين مرة‏.‏

 

الأهرام 6 يوليو 2009

Usul al-Fiqh (3-3) by Imam Ali Jumaa- Translated

Usul al-Fiqh (2-3) by Imam Ali Jumaa- Translated

Usul al-Fiqh (1-3) by Imam Ali Jumaa- Translated

آداب تلاوة القرآن الكريم

Dr. Ali Jum’aa- 2

بقلم: د. علي جمعة

مفتي الديار المصرية

قال تعالى: “‏ لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله‏” [‏ الحشر‏:21],‏ وقال تعالى: “‏ ذلك الكتاب لا ريب فيه هدي للمتقين” [البقرة‏:2],‏ وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيما أخرجه أحمد في مسنده من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه‏:‏ أهل القرآن أهل الله وخاصته‏,‏ وأخرج البخاري في صحيحه في كتاب فضائل القرآن من حديث عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ خيركم من تعلم القرآن وعلمه‏,‏ وكان أبو هريرة رضي الله عنه يقول‏: إن البيت الذي يتلي فيه القرآن اتسع بأهله وكثر خيره وحضرته الملائكة وخرجت منه الشياطين‏,‏ وإن البيت الذي لا يتلي فيه كتاب الله عز وجل ضاق بأهله وقل خيره وخرجت منه الملائكة وحضرته الشياطين,‏ وكان الفضيل بن عياض يقول‏:‏ حامل القرآن حامل راية الإسلام‏.‏

وفضل القرآن معروف يعرفه كل من منّ الله عليه بحفظه أو تلاوته‏,‏ ولذلك فمن المهم أن نتأدب بآداب التلاوة الظاهرة وآداب التلاوة الباطنة‏,‏ وهذه الآداب الظاهرة هي من الفضائل وليست من الحتم اللازم إلا أن بالتمسك بها وإعطائها حقها ينال القارئ الخير العميم‏,‏ روي مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة‏,‏ والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران‏,‏ وروي الترمذي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ من قرأ حرفا من كتاب الله فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول‏(‏ أ ل م‏)‏ حرف‏,‏ ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف‏.‏

آداب التلاوة الظاهرة عشرة‏:‏

أولها‏:‏ أن يكون القارئ علي وضوء وأن يكون علي هيئة السكينة والأدب سواء أكان قائما أو جالسا‏,‏ وأن يكون مستقبلا للقبلة‏,‏ وأفضل الأحوال أن يقرأ في الصلاة قائما سواء أكان في المسجد أم في البيت‏,‏ وله أن يقرأ أثناء الصلاة من المصحف فإن ذكوان مولى عائشة كان يصلي بها رضي الله عنها التهجد من المصحف‏.

وثانيها‏:‏ في مقدار القراءة‏,‏ وهذا يختلف باختلاف الناس‏;‏ فمنهم من يختمه في شهر ومنهم من يختمه في أسبوعين ومنهم من يختمه في أسبوع‏,‏ ولا ينبغي أن يختمه القارئ في أقل من ثلاث ليال لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما‏-‏ وقال الترمذي حسن صحيح‏-‏ من قرأ القرآن في أقل من ثلاث لم يفقهه وعلل العلماء ذلك بأنه لا يرتله‏.‏

ثالثها‏:‏ من قرأ في شهر فإن المسلمين قد قسموا القرآن إلي ثلاثين جزءا وهذه الأجزاء متساوية في عدد الحروف ولذلك أمكن في طبعات القرآن أن يكون كل جزء في عشرين صفحة وقسموا كل جزء إلي حزبين وكل حزب إلي أربعة أرباع فأصبح في القرآن‏240‏ ربعا‏.‏

رابعها‏:‏ تعظيم المصحف وكتابته بخط واضح كبير,‏ وهذا التعظيم له أشكال كثيرة منها‏:‏ أن يوضع القرآن فوق كل كتاب،‏ وأن يحترم‏,‏ وأن يحمل باليمين‏.‏

خامسها‏:‏ الترتيل وهو مستحب لأنه يجود ألفاظ القرآن من ناحية ويعين علي التدبر والتفكر من ناحية أخري‏,‏ وعن أم سلمة رضي الله تعالى عنها فيما أخرجه أحمد في مسنده وأبو داود والترمذي والنسائي كانت قراءة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قراءة مفسرة حرفا حرفا‏.‏

وسادسها‏:‏ البكاء فهو مستحب مع القراءة‏,‏ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ فإذا قرأتموه فابكوا‏,‏ فإن لم تبكوا فتباكوا أخرجه ابن ماجه من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه بإسناد جيد‏,‏ وطريق تكلف البكاء إحضار التأمل والجدية والتدبر في كلام رب العالمين من عهود ومواثيق ووعد ووعيد ومبادئ فإن هذا يؤدي إلي الخشوع والاهتمام بالأمر‏.‏

وسابعها‏:‏ أن يراعي حق الآيات‏;‏ فإذا مر بآية سجدة سجد‏,‏ وإذا مر بآية عذاب استعاذ‏,‏ وإذا مر بآية رحمة دعا الله سبحانه وتعالى أن يكون في رحمته‏.‏ وفي القرآن أربع عشرة سجدة‏,‏ وأقل ذلك السجود أن يسجد بوضع جبهته علي الأرض‏,‏ وأكمله أن يكبر فيسجد‏,‏ ويدعو في سجوده بما يليق بالآية التي قرأها فيقول مثلا‏:‏ اللهم اجعلني من الساجدين لوجهك المسبحين بحمدك وأعوذ بك أن أكون من المستكبرين عن أمرك أو علي أوليائك‏,‏ ويشترط في هذه السجدة شروط الصلاة من ستر العورة واستقبال القبلة وطهارة الثوب والبدن فمن فقد شيئا من هذا فلا يسجد حتى يستوفي الشروط فيمكن أن يسجد حينئذ‏.‏

ثامنها‏:‏ أن يبدأ تلاوته بقوله‏:‏ أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم‏;‏ لقوله تعالى‏:”فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم”‏ [النحل‏:98],‏ وليقل عند فراغه من القراءة‏:‏ صدق الله العظيم كما نص عليه الإمام الغزالي في كتاب‏’‏آداب تلاوة القرآن‏’‏ وذلك امتثالا لقوله تعالي‏:‏” قل صدق الله”‏[‏آل عمران‏:95].‏

تاسعها‏:‏ الجهر بالقراءة والإسرار بها‏,‏ ولكل موطنه وفضله شأن ذلك شأن الصدقة كما ورد في مسند أحمد وأبي داود والترمذي والنسائي حديث الجاهر بالقرآن كالجاهر بالصدقة‏,‏ والمسر به كالمسر بالصدقة وذلك من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه‏.‏

وعاشرها‏:‏ تحسين القراءة قال صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ زينوا القرآن بأصواتكم أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه‏.(‏ وللحديث بقية‏)

الأهرام 29 يونيو 2009

كتاب البيئة والحفاظ عليها من منظور اسلامي

Environement

يرصد قضية من أهم القضايا  التي تهم العالم بأسره، فهو يقدم لنا رؤية دينية متكاملة متبصرة ومعاصرة لقضية البيئة.  تلك القضية التي تتناول واقعنا البيئي في كرتنا الأرضية، والذي يتعرض لخطر شديد جرّاء سلوك الإنسان الجائر تجاه هذه الأرض والتي سخرها الله له واستخلفه فيها.

فيقدم لنا فضيلة الإمام العلامة نور الدين “علي جمعة” في هذا الكتاب العامل بالثراء الفكري والديني والعلمي هذه القضية بمفهومها العقدي، وأحكامها الفقهية، وآدابها الأخلاقية، حتى نكون قادرين على التعامل السليم مع البيئة بمفهومها الشامل، والمشاركة والتعاون بشأن عدم الإفساد فيها، بل والسعي لإصلاحها ما امكن، والاستفادة منها على وجه يتفق مع مراد الله سبحانه  في كون، ومن خَلقه للخلق.

متوافر لدى:

الوابل الصيب للإنتاج والتوزيع والنشر

ت: 29850891

     29850824 

25057830

E-mail: info@alwabell.com  

رسالة إلى المعلم

 

 

Dr. Ali- 2

بقلم‏:‏د‏.‏ علي جمعة
مفتي الديار المصرية

 

أدعو الله سبحانه وتعالي أن يعود المعلم إلي الحالة التي وصفها شوقي فقال‏:‏

قم للمعلم وفه التبجيلا
كاد المعلم أن يكون رسولا

وأريد أن أرسل للمعلم بعض كلمات من كلام رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم‏،‏ وكل كلمة قالها رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم وهو يرسم لنا طريق الله الصراط المستقيم كفيلة بأن تغير حياة الإنسان‏،‏ ومما قاله صلي الله عليه وآله وسلم‏،‏ وكل كلامه يدعو إلي حسن الخلق‏،‏ قال‏:‏ يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق‏،‏ ويعطي علي الرفق ما لا يعطي علي العنف‏،‏ وما لا يعطي علي ما سواه‏(‏ صحيح مسلم‏)،‏ إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه‏،‏ ولا ينزع من شيء إلا شانه‏ (‏ صحيح مسلم‏)،‏ فأمر رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم أم المؤمنين‏،‏ وأمر الأمة من ورائها‏:‏ بالرفق‏.‏

والرفق يكون مع النفس‏،‏ والرفق يكون مع الناس‏،‏ والرفق مع الكون‏،‏ وبكل ذلك أمر رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم‏،‏ ولما بوب العلماء العارفون باب الرفق بوبوه مع حسن الخلق والحياء‏،‏ وكأن هناك صلة بين الرفق وبين الحياء‏،‏ والنبي صلي الله عليه وآله وسلم فيما روي عن عمران بن حصين رضي الله تعالي عنهما‏،‏ أن النبي صلي الله عليه وآله وسلم قال‏:‏ الحياء خير كله‏(‏ صحيح مسلم‏)،‏ وروي أن النبي صلي الله عليه وآله وسلم مر علي رجل من الأنصار يعظ أخاه‏،‏ أو يعاتب أخاه في الحياء،‏ فقال له‏:‏ دعه فإن الحياء من الإيمان ‏(‏ البخاري ومسلم‏).‏

النبي صلي الله عليه وآله وسلم يعلو بالحياء إلي أن يقول فيما رواه الحاكم وابن أبي شيبة عن ابن عمر‏:‏ إن الحياء والإيمان قرنا جميعا‏،‏ فإذا رفع أحدهما رفع الآخر‏،‏ فصفة المؤمن‏:‏ الحياء، وصفة الفاجر‏:‏ الفجور، وهو نوع من أنواع العنف، أما الحياء فهو نوع من أنواع الرقة التي أمر بها رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم‏.‏

الحيي لا يمكن أن يكون عنيفا‏، ولا يمكن أن يكون قاسي القلب‏، ورسول الله صلي الله عليه وآله وسلم يعلمنا ويعلمنا أن هذه الأخلاق بعضها يخدم بعضا‏،‏ وبعضها يؤيد ويساند بعضا فيقول‏:‏ ألا أخبركم بأهل النار؟‏‏ قالوا‏:‏ بلي‏، قال‏:‏ كل جواظ جعظري مستكبر‏(‏ أخرجه الإمام أحمد في مسنده‏)،‏ وانظر إلي اختيار سيدنا رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم‏،‏ وهو أفصح العرب، لهذه الكلمات الصعبة،‏ ليوافق المبني المعني،‏ وليوافق نظر مستمع من هذه الألفاظ نظرة النفس منها‏.‏

جواظ جعظري‏!‏ كلمات صعبة وغير مفهومة لعموم الناس‏، تستدرك المسألة‏:‏ وما الجواظ؟ وما الجعظري؟ الجواظ‏:‏ الجماع للمال،‏ لا يريد أن ينفق شيئا منه في سبيل الله‏، ولا يريد أن يخرج حتي حق الله فيه من الزكاة، وبذلك يكون عنيفا مع مجتمعه وناسه،‏ فليس العنف مقتصرا في القوة،‏ وليس العنف مقتصرا علي الهمجية،‏ ولكن العنف قد يكون سلبيا بمنع حق الله سبحانه وتعالي،‏ فالجواظ من يجمع ويمنع،‏ يجمع من لطف الله ما شاء الله به عليه،‏ ثم يمنعه أن يصل وأن يدور كما أمرنا الله من ماله أن يكون‏.

والجعظري‏:‏ قاسي القلب الذي لا ينتهي إذا ما كلمته بموعظة ينظر إليك باستهزاء وعلو‏، وإذا ما ذكرته بالموت لا يرق قلبه،‏ ولا تهدأ نفسه،‏ ولا يخشي من مقابلة الله سبحانه وتعالي‏، ولا تدمع عيناه‏، وهذا نوع من أنواع العنف‏.‏

النبي صلي الله عليه وآله وسلم جاهد في سبيل الله‏، جاهد بشرف‏..‏ جاهد بلطف‏..‏ جاهد لغاية ولم يكن عنيفا‏،‏ يصفه الصحابة الكرام بأنهم عندما كانوا يصافحون يده الشريفة كانوا يجدونها أملس من الحرير صلي الله عليه وآله وسلم‏(‏ البخاري‏)، لكنه كان فارسا‏،‏ يقولون عنه في حربه‏:‏ كنا إذا احمر البأس ولقي القوم القوم اتقينا برسول الله صلي الله عليه وآله وسلم،‏ فما يكون من أحد أدني من القوم منه‏(‏ الإمام أحمد في مسنده‏).‏

كان لا يغضب‏،‏ ونصح أصحابه بألا يغضبوا، وقال‏:‏ لا تغضب ولك الجنة‏(‏ الطبراني في معجمه الكبير‏)، لكنه كان يغضب إذا ما مست حدود الله سبحانه وتعالى، وما انتقم رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها‏(‏ البخاري‏)، وإذا ما رأي المعصية أمامه فإنه يغضب بشدة، لا بعنف‏،‏ لأنه أمر لا يرجع إلي ذاته الشريفة‏، إنما يرجع إلي تبليغ الرسالة‏، وإلي إقامة حدود الله بين البشر‏، جاءه أعرابي فأمسكه من ثيابه وخنقه صلي الله عليه وآله وسلم حتي كاد الصحابة أن يهموا به يقتلونه،‏ فما زاده الجهل عليه إلا حلما،‏ وما زاده ذلك إلا أمانة‏.‏

إذن وراء هذا الرسول شيء ليس بمنظور لنا، ينبغي عندما نتخلق بأخلاق الدين أن نثق بما في يده سبحانه وتعالي أكثر من ثقتنا بما في أيدينا، وأن نترك هذه الغشاوة التي يعيش فيها عموم الإنسان بأن يثق بالمحسوس أكثر من ثقته بربه الذي خلقه‏!‏

هذه أسرار علمنا إياها رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم‏،‏ هذه الأسرار مفقودة لا يعرفها كثير من البشر،‏ ومن كثرة إلفنا لها استهنا به، ومن كثرة تكرارها علي أذهاننا وأسماعنا اعتقدنا أنها دون الحقائق العليا‏!!‏ إلا أن هذه هي الحقيقة، فجرب أيها المعلم،‏ لا تجرب مع الله‏، جرب نفسك مع الله‏، لا تجرب الله فما كان الله ليمتحن،‏ حاشاه وجل جلاله‏، إنما جرب نفسك مع الله‏،‏ وانظر حتي يفتح عليك فتوح العارفين به سبحانه‏.‏

 

الأهرام 22 يونيو 2009

Obama’s Speech and the Necessity of the Scientific Methodology

Dr. Ali Jum'aa- 2

 I listened to the well-prepared speech of the US President Barack Obama in Cairo University last Thursday.  In fact, it is a good start of the mutual relationships between the Muslim World and the United States.  In his speech, President Obama referred to civilization’s debt to Islam, which carried the light of knowledge and learning throughout centuries. 

In his speech, he reminds us of the speech Prince Charles delivered in Oxford in 1992, as it had the same spirit.

Now, as everyone is anticipating, it is time for the beginning of real work, I would like to suggest some practical plans for this cooperation, in which the Muslim World along with the US and the whole world would begin the establishment of the human civilization in a better way and based on justice. 

1-     After President Obama has confirmed the removal of US troops from Iraq and the closing of the US military prison at Guantanamo Bay by the beginning of next year, I think a plan should be set forward regarding Afghanistan too, although growing complexity of the situation over there.  After all, colonization would not bring anyone any good.

2-     We do not want the relationships between the United States and Israel to break.   Yet we want the establishment of peace upon justice in order to protect the Palestinian people from the woes they have been going through during the last sixty years.  Muslims are quite ready to turn a new leaf in order to overcome the past, especially if we find true efforts exerted in reality, efforts that have positive effects on the daily life of the Palestinians who have been denied the essentials of decent life.  First and for most, a Palestinian state must be established, in which the three religions could be practiced.  Moreover, expatriates should also return to their homeland.  All these issues are possible to attain, only if the Israeli administration would respond to the wish of the whole world that just peace should prevail in order to reach a settlement for the world and seek a new beginning.

3-     A group of Muslims undertook the revision of some of the Western curricula that portrayed Muslims badly.  The bad image those curricula had created, affected whole generations, resulting in this vicious circle of exchanged hatred.  These revisions showed explicitly in the efforts exerted by professor Abdul-Jawad Flatori, who published his work in an eight-volume study in the University of Kuln in Germany.  The study, which was published in German language, started in 1985 until 1996.  According to such respectful scientific work that is produced by one of the most remarkable universities in Western Europe, we should call upon the United States and the West to rectify education curricula.  It should return to the image that has been proved with the scientific evidence by professor Flatori, his wife, and his team.  The distorted image is widely spread and prevailed in the Western and American education curricula as well.  We are quite sure that the West has no objections regarding such rectification, as long as it is a scientific one, aiming to remove the hateful fanaticism adopted by some extremists.  In early 1990s, some research centers in the United States undertook this task, though only partially, especially in history textbooks.

4-     Ahead of us is also the issue of the international Muslim authority, which is a very significant issue.  The Organization of the Islamic Conference (OIC) can undertake such task.  Especially when it has an organ such as the Islamic Fiqh (Jurisprudence) Academy in Jeddah, which in itself is a remarkable international Islamic institution that represents the whole Muslim world.  With the scientific cooperation of some international institutions such as al-Azhar and the Islamic Research Academy, the OIC could undertake such a role very well.  President Obama has even referred to the OIC and its cooperative role in the eradication of polio. 

      The international Muslim authority, unanimously, agreed on the renunciation of violence, taking the road of moderation, respecting difference of madhhab (juristic schools of thought), acknowledging dialogue, peaceful coexistence and developmental issues.

5-     I call all Muslims to embark on a course of action to discard nuclear weapons all over the world.  It is unacceptable for a nation to have a whole arsenal, by which it could destroy the whole Earth, while there is no deterrent power to prevent using such mass destruction weapons, which are prohibited by all religions and denounced by the reasonable.  From now on, we should focus on putting an end to the possession of nuclear weapons.  We all should work cooperatively to make this wish come true, especially after President Obama has expressed it plainly.  By this, we can change the face of Earth.

6-     President Obama indicated that Muslim communities, since ancient times, have proved they are capable of being at the forefront of innovation and education.  Accordingly, I wish we could activate research even more.  He has pointed out that there has been no developmental strategy that could depend solely on wealth.  Rather, innovation and education are more important.  Here I, once again, affirm the importance of the scientific scholarships.  We need to resuscitate scientific scholarships back as they were in days of yore, making them more frequent and prevalent than their case today.  It has to be both ways; from the Muslim world to the West and vice versa. In fact, we have things that humanity urgently needs.  Putting this point in details might need larger space, yet, from my point of view I can bit on it.

7-     The US aid, that has been allocated for development in Africa, Middle East, and Southeast Asia, has been a good idea.  We even think that it has been lagged for a while.  Therefore, we should encourage it and work perseveringly on sustaining it.  Here in Egypt, we started to push forth and encourage civil work, not only for the sake of doing good, but also for the developmental purposes in the fields of health, education, scientific research, social interdependence, and different aspects of life, such as art, literature, and sports.  This is because our religion believes in construction and prohibits destruction. So all praises and thanks belong to Allah, who has ordained us to be Muslims. 

al-Aharm Newspaper

8 June, 2009

This is my humble effort to translate some of Sheikh Ali Jum’aa’s articles.  It is a try to make the world acknowledge the real value of one our most knowledgeable Muslim scholars, who took upon himself to deliver this religion to others in a remarkable way. marmad

Original article in Arabic here

مصادر الإيمان بالغيب

 

Dr. Ali- 2

 بقلم‏:‏ د‏.‏ علي جمعة

مفتى الديار المصرية

التقيت الأستاذ أنيس منصور ونحن نحضر خطاب الرئيس أوباما للأمة الإسلامية وترك حرارة الحدث وسألني عن البرزخ‏,‏ وقلت له‏:‏ إن مصادر معرفتنا بالغيب الكتاب والسنة‏,‏ وفوجئت به في عموده اليومي مواقف يتكلم عن ولاية الفقيه وأنه ينزعج وينفر من أن يكون هذا حالنا ولذلك يقول‏:‏ لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين‏,‏ وإنه لا تزال عندنا قوة دينية تتحفز وتنتظر وفي نهاية كلمته وفجأة حشرني بصورة مضحكة حيث يقول‏:(‏ هل أضرب لك أمثلة للأسئلة السخيفة والإجابات الأسخف‏,‏ أدهشني والله فضيلة المفتي الدكتور علي جمعة وهو يتحدث عن مراحل انتقال الروح من البرزخ إلي مش عارف فين وكيف سألوها وقالت وسألوها‏,‏ سيادة المفتي من أين لك هذا الكلام الذي لا في القرآن ولا في الحديث‏),‏ ولا أريد أن أنبه الأستاذ إلي أن لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة التي يذكرها كانت تحتم عليه ألا يتدخل فيما لا يحسنه وألا ينفي ما لا يعرفه وكأنه من الحفاظ الكبار‏,‏ والأمر ليس كذلك‏,‏ والله أعلم بما هنالك‏,‏ وعليه أن يترك الدين لأهله ولعلمائه‏,‏ وأنه أكبر من هذا الحشر المضحك بين بداية المقال وآخره‏,‏ وأن الأسئلة السخيفة والإجابات السخيفة قد نزهنا الله عنها‏,‏ وربنا يؤجرنا في مصيبتنا فإنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏

‏1‏ ـ أما البرزخ وهو الحد الفاصل بين الحياة والموت الذي يمنع الأرواح من الرجوع إلي الدنيا‏,‏ ففي قوله تعالي في سورة المؤمنين‏:‏ حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون‏*‏ لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلي يوم يبعثون‏[‏ المؤمنون‏:99‏ ـ‏100],‏ وإن كان هذا النص لا يروق عقائد غير المسلمين مثل الديانات الشرقية التي تدعي تناسخ الأرواح‏,‏ فهذا لا يعنيني ولا يعني أحدا من المسلمين الذين يريدون أن يسمعوا كلام الله ورسوله‏,‏ ويعرفون الغيب من خلال هذه المصادر التي يقدسونها‏,‏ وأظن أن السخافة هي في قضية التناسخ وتحضير الأرواح وليس في تسلية المصاب بفقد الولد أو العزيز لديه بحقائق القرآن والسنة‏,‏ وتبين الآية حقيقة وجود البرزخ وأن الروح لا تعود مرة أخري فعلي الأستاذ الكبير ألا يندهش‏.‏

‏2‏ ـ أخرج الإمام أحمد في مسنده‏(164/3),‏ والترمذي الحكيم في نوادر الأصول‏(671/1)‏ حديث‏(924)‏ ـ واللفظ له ـ عن أنس‏:‏ قال رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم‏:‏ وإن أعمالكم تعرض علي عشائركم وأقاربكم من الموتى‏,‏ فإن كان خيرا استبشروا به‏,‏ وإن كان غير ذلك قالوا‏:‏ اللهم لا تمتهم حتي تهديهم كما هديتنا‏.‏ ورواه أيضا الإمام أبو داود الطيالسي حديث‏(1794)‏ من حديث جابر بن عبد الله مرفوعا‏,‏ ورواه أيضا الطبراني في المعجم الكبير‏(129/4)‏ وفي الأوسط‏(53/1)‏ من حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنهم أجمعين‏.‏

وأخرج النسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه‏:‏ أن رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم قال‏:…‏ فذكر الحديث‏:‏ وفيه‏:‏ فيأتون به أرواح المؤمنين‏,‏ فلهم أشد فرحا من أحدكم بغائبه يقدم عليه‏,‏ فيسألونه‏:‏ ما فعل فلان؟ ما فعلت فلانة؟ فيقولون‏:‏ دعوه فإنه كان في غم الدنيا‏,‏ فإذا قال‏:‏ أما أتاكم؟ قالوا‏:‏ ذهب به إلي أمه الهاوية‏(‏ أخرجه النسائي في المجتبي‏(8/4)‏ في كتاب‏(‏ الجنائز‏)‏ باب‏(‏ ما يلقي به المؤمن من الكرامة عند خروج نفسه‏)‏ حديث‏(1833),‏ وابن حبان في صحيحه ‏(284/7)‏ حديث‏(3014),‏ والحاكم في المستدرك‏(352/1‏ ـ‏353)‏ حديث‏(1302).‏ ويؤخذ من هذه الأحاديث ما استغربه الأستاذ وأنكر وجوده لعدم معرفته به فأدخل بذلك السياسة في الدين وأراد للدين أن يدخل في السياسة علي عكس ما قرر وكرر‏.‏

‏3‏ ـ والروح عند المسلمين وعند كل أهل الأديان لا تفني بخلاف الملاحدة والماديين‏,‏ يقول الإمام القرطبي في التذكرة‏(‏ ص‏160‏ من طبعة مطبعة دار الفاروق‏):‏ وكل من يقول‏:‏ إن الروح تموت وتفني فهو ملحد‏,‏ وكذلك من يقول بالتناسخ‏:‏ إنها إذا خرجت من هذا ركبت في شيء آخر‏:‏ حمار أو كلب أو غير ذلك‏.‏ وإنما هي محفوظة بحفظ الله‏:‏ إما منعمة وإما معذبة‏.(‏ انتهي كلام القرطبي‏).‏

‏4‏ ـ وتبع الأستاذ الكبير بعض الصغار في إنكارهم تسلية المصاب إلا أنهم أراحوا أنفسهم فأنكروا السنة بالجملة وأنكروا أكثر من عشرين علما ضبط بها المسلمون نقلهم وروايتهم لكلام نبيهم صلي الله عليه وسلم‏,‏ وذلك فقط لأنهم لم يفهموا النصوص أو لأنهم لم يريدوا أن يفهموا‏,‏ واعتبروا أن هذا الإنكار جزء من حرية الفكر باعتبار أن الحرية عندهم هي عين التفلت وليست منهجا عقليا وعلميا‏,‏ وعندما حدد روجر بيكون المنهج العلمي لاحظنا أنه يتكلم عن‏:‏ تحديد المصادر التي يؤخذ منها العلم‏,‏ وطريقة البحث التي تتخذ في هذا العلم‏,‏ وشروط الباحث‏,‏ وهي بعينها الأركان الثلاثة لأصول الفقه‏;‏ حيث تعرف مدرسة الرأي أصول الفقه بأنه‏:‏ معرفة دلائل الفقه إجمالا‏(‏ المصادر‏)‏ وكيفية الاستفادة منها‏(‏ طرق البحث‏)‏ وحال المستفيد‏(‏ شروط الباحث‏),‏ وهكذا أسهم المسلمون بفكرهم وتوثيقهم للمعلومات ومنهجهم العلمي في بناء الحضارة الإنسانية إلي يومنا هذا‏,‏ فالحمد لله الذي جعلنا مسلمين‏,‏ ويذكرني هؤلاء بالمثل العربي ليس بعشك فادرجي قال أبو عبيد‏:‏ قال الأصمعي وغيره في هذا المثل‏:‏ أي ليس هذا من الأمر الذي لك فيه حق فدعه‏,‏ وقد يضرب مثلا للرجل ينزل المنزل لا يصلح له‏,‏ أو كما قال عمرو بن الإطنابة‏:‏
وقولي كلما جشأت وجاشت‏….‏ مكانك تحمدي أو تستريحي

الأهرام 15 يونيو 2009

وظن أنه “منتصر” !

ماتت الشيوعية منذ أوائل التسعينيات.. و منذ ذلك الحين و الشيوعيون المصريون -واسمهم الحالي العلمانيون- يشعرون باليتم ويريدون الأخذ بثأر أمهم القتيلة. ولأنهم أجبن من أن يعترفوا أن الله قهرهم وهزمهم وأنهم ضيعوا أعمارهم في الإيمان بأشياء اعترف من طبقها بأنها كانت خطأ يجب التراجع عنه، فقد رأوا أن النيل من علماء الإسلام الذين يحبهم الناس هو أنسب وسائل الثأر. لقد قرأنا لـ”منهزم” من هؤلاء مقالاً في جريدة المصري اليوم يسخر فيه من معلومات فضيلة المفتي التي قالها في برنامج البيت بيتك عن الموت والبرزخ، قائلاً أن ما قاله فضيلة المفتي “يدخل تحت بند ترويج الأساطير وبيع الخرافة للبسطاء”..

وما لا يعرفه الكاتب أن الأربعين سنة التي قضاها من عمره في ظلمات الفكر واتباع الترهات قضاها فضيلة المفتي يتعلم ويعلّم أصول الفقه.. فهو –كأي عالم محترم- لا يتكلم بأي كلام إلا إذا كان معه الدليل القوي من القرآن والسنة.. طبعًا إلا إذا كان هذا العلماني مازال يعتبر القرآن والسنة –أهم أسس التشريع- من أساطير الأولين كما كان يقول أسلافه!

وحتى يُيسّر فضيلة المفتي على المشاهدين فهم حياة البرزخ، فقد شبهه بأنه مثل أنبوب يمر الهواء فيه باتجاه واحد إذ أن الروح بعد الموت تدخل من الحياة الدنيا إلى البرزخ و لا تستطيع العودة مرة أخرى إلى أن تخرج من البرزخ يوم القيامة. هذا كلام معروف يعرفه تقريبًا أي مؤمن ولا يجد فيه غضاضة ولا إسفافًا.. إلا أن هذا “الإعلامي” لا يرى ذلك ويقول: ” قضية البرزخ والبلف تفتح أمامنا قضية أكثر أهمية، وهى قضية الاطلاع على الغيب التي يحتكرها الشيوخ” !!

وهذا يدل على أن الكاتب الفاضل لا يعرف إلا الشيوخ “المغشوشين” الذين يتاجر بهم في برنامجه العقيم الذي يعيش فيه في “حلم” آخر، في حين أن الشيوخ الحقيقيين –أسوة برسول الله- لم يدّعِ أحد منهم معرفة الغيب أبدًا، وكل معلوماتهم عنه –ومعلومات سائر الأمة-مأخوذة من الكتاب والسنة..

واستمرارًا في التخبط يقول “علم الغيب انفرد به الله سبحانه وتعالى، الرسول نفسه يؤكد أنه لا يعلم الغيب، إذن من أين عرف هؤلاء الشيوخ كل هذه التفاصيل؟!”.. فأقول أن الله سبحانه وتعالى أطلع نبيه صلى الله عليه وسلم على بعض الغيب بدليل قوله تعالى “تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ماكنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا”(هود:49) وقوله تعالى “عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول”(الجن:26).. ولكن يبدو أن القرآن ليس من المصادر الموثوق بها للمعلومات التي يرجع إليها الكاتب.. إن كان يرجع لمصادر معلومات أصلاً !

وأرى أن صدر الطبيب العلماني قد ضاق بما قاله فضيلة المفتي في مسائل الموت، فلعلي أضيف إلى ضيقه ضيقًا فأورد أمثلة على ما قال فضيلته.. بأدلتها! فأدلة دخول أطفال المسلمين الجنة منها :
(1) حديث عدي بن ثابت : أنه سمع البراء رضي الله عنه قال لما توفي إبراهيم عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( إن له مرضعا في الجنة ) [ 3082 ، 5842 ] صحيح البخاري: 1/ 464
(2) وعن على : فى قوله {إلا أصحاب اليمين} قال هم أطفال المسلمين (البيهقى فى شعب الإيمان ، والفريابى ، والضياء ، وابن أبى شيبة ، وعبد بن حميد ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبى حاتم ، والحاكم) [كنز العمال 4648]
(3) وحديث أبي هريرة عند أحمد والحاكم وغيرهما: ذراري المسلمين في الجنة يكفلهم إبراهيم.
(4) وحديث علي عند عبد الله بن أحمد في زوائده أن المؤمنين وأولادهم في الجنة.
(5) وحديث ابن عمر عند ابن أبي الدنيا في كتاب العزاء كل مولود يولد في الإسلام فهو في الجنة شبعان وريان يقول يا رب أورد على أبوي. (6) وحديث عائشة عند الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن عبد البر قالت سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المسلمين أين هم قال في الجنة الحديث.
وفي الباب أيضا عن سمرة بن جندب عند البخاري وعن غيره. ودليل أن موت الولد يكون سببًا في دخول الجنة: عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال : أَتَتِ امرأةٌ بصبيٍّ لها للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقالت : يا نبي الله ادعُ له ، فلقد دفنت ثلاثة من الولد قالت نعم ، قال : لقد احتظرتِ بِحَظارٍ شديدٍ من النار. أخرجه مسلم ، كتاب البر والصلة والأدب، باب فضل من يموت له ولد فيحتسبه، برقم [2636] ودليل أن الولد وأبويه في الجنة: عَنْ أَبِي حَسَّانَ قَالَ قُلْتُ لأَبِى هُرَيْرَةَ إِنَّهُ قَدْ مَاتَ لِىَ ابْنَانِ فَمَا أَنْتَ مُحَدِّثِى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِحَدِيثٍ تُطَيِّبُ بِهِ أَنْفُسَنَا عَنْ مَوْتَانَا قَالَ قَالَ نَعَمْ « صِغَارُهُمْ دَعَامِيصُ الْجَنَّةِ يَتَلَقَّى أَحَدُهُمْ أَبَاهُ – أَوْ قَالَ أَبَوَيْهِ – فَيَأْخُذُ بِثَوْبِهِ – أَوْ قَالَ بِيَدِهِ – كَمَا آخُذُ أَنَا بِصَنِفَةِ ثَوْبِكَ هَذَا فَلاَ يَتَنَاهَى – أَوْ قَالَ فَلاَ يَنْتَهِى – حَتَّى يُدْخِلَهُ اللَّهُ وَأَبَاهُ الْجَنَّةَ ». أخرجه مسلم ، كتاب البر والصلة والأدب، باب فضل من يموت له ولد فيحتسبه، برقم [2635]

ثم يلجأ كاتب المقال إلى حيلة الشيوعيين القديمة: تكذيب الأحاديث.. وهي حيلة لفرط غبائهم ترتد عليهم بأشد الوبال! لأنه – وباعتراف المستشرقين – لا يوجد أتباع لأي نبي قد اعتنوا بكل ما قال وفعل كما فعل المسلمون بسنة نبيهم.. حيث تم توثيق الحديث الشريف توثيقًا عجيبًا ضعّف فيه العلماء الحديث إذا كان هناك أدنى شك في أن أحد رواته لم يستكمل أعلى درجات الحفظ و الصدق و الدقة في النقل.. وأجمعت الأمة على أن كتاب صحيح البخاري بالذات قد جمع الأحاديث المتصفة بأعلى درجات الصحة، فهو أصح كتاب على وجه الأرض بعد كتاب الله.. وقد تصدى العلماء على مدى التاريخ لمن حاولوا الطعن في أحاديث البخاري وبيّنوا خطأهم وصحة ما نقله البخاري.. فلا حاجة لنا أن ندافع عن قيمة غالية لدى الأمة مثل الإمام البخاري الآن..

ولكن لنناقش ما قاله كاتب المقال.. يقول: “وكيف نصدق أحاديث تنسب للرسول تتحدث عن هذاالغيب بشكل لا يقبله أي عقل أو منطق؟! كيف نصدق أن الرسول، عليه الصلاةوالسلام، عندما سئل عن ميعاد الساعة أشار إلى غلام صغير، وقال إنه لنتدركه الشيخوخة والهرم حتى تقوم الساعة، وأعتقد أن هذا الطفل قد ماتبالفعل والقيامة لم تقم بعد! “..

كنت أعلم عن هذا الحديث أن الإمام البخاري قد رواه في كتاب الأدب، وقد قلت في نفسي –بحسن نية- ربما يعترض الكاتب على رواة الحديث مثلاً.. فنظرت في كتب الجرح والتعديل التي تتناول سيرة الرواة بالتفاصيل فوجدتهم -كما تصفهم الكتب- عدول (جمع عَدْل) وثِقَة.. فقلت ربما كان بمتن الحديث –أي نصه- شيئًا ما غاب عن ذهن أمير المؤمنين في الحديث ثم عن ذهن الإمام البخاري واكتشفها هو! فوجدته يعترض على جملة (إن أخر هذا فلم يدركه الهرم حتى تقوم الساعة).. ولو أنه أتعب نفسه قليلاً بالرجوع إلى أحد كتب شرح البخاري (بدلاً من كتب كارل ماركس) لوجد ابن حجر –العالم الجليل- يقول: “ويحتمل أن يكون المراد بقوله ” حتى تقوم الساعة ” ولم يرد أنها (أي الساعة) تقوم عند بلوغ المذكور الهرم ولكن أراد المبالغة في تقريب قيام الساعةلا التحديد، كما قال في الحديث الآخر:” بعثت أنا والساعة كهاتين”، وهذا عمل شائع للعرب يستعمل للمبالغة عند تفخيم الأمر وعند تحقيره وعندتقريب الشيء وعند تبعيده، فيكون حاصل المعنى أن الساعة تقوم قريبًا جدًا”..

وحتى لو فكرت فيها منطقيًا.. ففي حياتنا المعاصرة يطلبك أحدهم بالهاتف فيرد عليه ابنك ويقول “له ثانية واحدة وبابا يرد عليك” وهو يريد أن يقول أنك ستكون معه بعد فترة يسيرة.. فهل يمكن أن نصف الابن بالحماقة واللامنطقية ؟! أم الأحرى أن نصف من لا يفهم التعبيرات المجازية بأنه مريض بمرض التوحد Autismذي العَرَض الشهير أن المريض لا يفهم المدلولات والأمثلة من هذا النوع ؟!

وأخيرًا يلعب الكاتب على وتر الفتنة الطائفية، مع أن فضيلة المفتي لم يمس أديان الآخرين من قريب ولا من بعيد! ولكن العلماني “الذكي” –ما شاء الله عليه- يريد أن يورّط الرجل الفاضل الذي لم يتعرض له ويدق سارينة الحريق صارخًا بأعلى صوته محذرًا من أن “رجال الدين” كما يسميهم يريدون إشعال الفتنة بين عنصري الأمة! وهي حيلة -ككل حيلة- خائبة وساذجة.. لأن من يريدون إشعال الفتن هم من أمثاله الذين يسخرون من العلماء الأفذاذ.. و يستفزون جموع هذا الشعب الذي صاغ الإسلام وجدانه وجعله يتآلف مع كافة المعتقدات الأخرى.. مهما فعل من يكرهه.. وظن أنه “منتصر” !

بقلم: آل يونس